الرئيسية›كتاب و آراء›حكايات من مقعد خلفي في لندن:...
كتاب و آراء

حكايات من مقعد خلفي في لندن: لقاءات مع سائقين مهاجرين

كانت البداية شاقة، لكن الغريب أن تلك المشاق لم تكن ما بقي عالقاً في الذاكرة من الرحلة. ولا حتى المعالم والوجهات الجميلة التي زرناها. بل كان البشر هم ما ترك الأثر الأعمق.

خلال تنقلاتي، وجدت نفسي منخرطاً في أحاديث مطولة مع العديد من السائقين. كانت تبدأ غالباً بسؤال عابر: “من أين أنت؟” وسرعان ما يتحول المقعد الخلفي للسيارة إلى فضاء صغير نتبادل فيه الحديث عن الوطن والدين والأبناء والحروب والهجرة والمستقبل. ولكل منهم قصته الخاصة.

شمس: الخوف على الهوية

كان شمس بنغلاديشياً، وأباً لثلاثة أبناء. تحدث كثيراً عن أطفاله وعن حرصه على تعليمهم وعلى ألا يفقدوا هويتهم أثناء نشأتهم في المجتمع البريطاني. يوصلهم إلى المدرسة، ويحرص على اصطحابهم إلى المسجد وتحفيظهم القرآن، وقد حفظوا نحو أربعة أجزاء. لم يكن حديثه نظرياً عن الهوية؛ بل كان كلام أب يمارسها يومياً. يريد لأبنائه النجاح في المجتمع الذي يعيشون فيه، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن يأتي هذا النجاح على حساب دينهم وقيمهم وعاداتهم.

أحمد: صورة مختلفة للاندماج

ثم التقيت بأحمد، وهو هندي متعلم، معظم أفراد أسرته بما فيهم والدته يعيشون في أمريكا، ويزور أمريكا أكثر مما يزور الهند. كان حديثه مختلفاً. لم يكن قلقاً مثل شمس، بل بدا أكثر اطمئناناً للحياة الإسلامية في بريطانيا، وتحدث بإيجابية عن المجتمع الذي يعيش فيه. من المعلومات التي فاجأتني قوله إن المنطقة المحيطة بكناري وارف تضم نحو 35 مسجداً. أعطاني حديثه زاوية أخرى: المسلم المهاجر ليس بالضرورة في صراع دائم بين هويته والمجتمع الجديد، فقد يستطيع أن يجد مساحة يعيش فيها الاثنين معاً.

زبيدة وحسين: قضايا وطنية من خلف المقود

أما زبيدة فكانت قصتها أكثر تعقيداً. أمها كشميرية، وأبوها إيراني، وزوجها أيضاً إيراني. كانت تعمل مع زوجها في أوبر بطريقة لافتة: ست ساعات تقود هي، ثم ست ساعات يقود هو. أبناؤها كبروا وتعلموا، ومنهم الطبيب والمحاسب، لذلك لم يكن قلقها الأساسي عليهم. ما شدني فيها كان كشمير. كانت مرتبطة بها بقوة، بعاداتها وهويتها، وتحدثت بحماس عن الكشميريين وعن الانقسام بين الجانب الهندي والباكستاني، وعن تطلعها لأن تكون كشمير حرة. كنت أستمع إليها وأفكر: كم يختلف أن تقرأ عن قضية سياسية عن أن تسمعها من إنسان يشعر أنها جزء من هويته وتاريخ أسرته.

ومع حسين الإيراني كان الحديث مختلفاً تماماً. رافقنا يوماً كاملاً في إحدى رحلاتنا خارج لندن، مما أتاح وقتاً كافياً لحوار أعمق. كان شديد الانتقاد لما حدث في إيران بعد الثورة وللحكومة الحالية، وتحدث عما سمعه من الجيل السابق عن الحياة قبل حكم الملالي، وعن الشباب الذين فقدوا حياتهم، وعن الإيرانيين الذين غادروا وطنهم وانتشروا في دول العالم. وكان ينظر إلى ما وصلت إليه دول الخليج من تنمية وازدهار ويقارن ذلك بما يراه في بلده. قلت له إن لدي صورة مختلفة من الذاكرة؛ فقد كنت أرى قبل الثورة الحجاج الإيرانيين في المدينة المنورة، وكان واضحاً آنذاك مستوى معيشتهم واقتدارهم. كان حواراً طويلاً بين ذاكرة عربية وذاكرة إيرانية، جمعهما مقعد سيارة في بريطانيا.

زكي وسليمان: أجيال وتاريخ في مقعد سيارة

أما زكي، الشاب الصومالي المولود في إنجلترا، فكان محافظاً ومتديناً. تحدثنا عن الأبناء، لكنه قال شيئاً بقي في ذهني: هو مطمئن نسبياً إلى أبنائه وتربيتهم، لكن خوفه الحقيقي على الأجيال التي ستأتي بعدهم. هل سيبقى الدين؟ وهل ستبقى القيم بعد جيلين أو ثلاثة؟ انتقل الحديث إلى الصومال، والانقسامات والتدخلات وأرض الصومال. ورغم كل ذلك، كان متفائلاً بأن بلده يتحسن. كان لافتاً أن شاباً وُلد ونشأ في بريطانيا لا يزال يحمل هم وطن والديه، ويفكر في مستقبل دين أحفاده الذين لم يولدوا بعد.

ربما كانت قصة سليمان، الألباني من كوسوفو، الأكثر درامية. بدأ اللقاء متوتراً. كنا متجهين إلى المطار ومعنا حقائب كثيرة، وكان منزعجاً لأننا لم نطلب Uber XL. لكن شيئاً فشيئاً تغير كل شيء. بدأنا نتحدث، ثم أخذنا إلى تاريخ كوسوفو: الشيوعية، والصرب، والحرب، والاستقلال، وما أصاب التدين هناك من ضعف. وتحدث عن أثر الشيخين الألباني والأرناؤوط وتسجيلاتهم، وعن تقدير أهل كوسوفو لما قدمته السعودية لمسلمي كوسوفو والبوسنة. عندما عرف بوجود صلة قديمة بين الشيخ الألباني ووالدي، فوجئ كثيراً، واتسع الحديث أكثر. وفي نهاية الرحلة، كان الرجل الذي بدأ معنا غاضباً يعتذر لندى عن البداية! وقال إنه نادراً ما يدخل مع ركابه في حديث كهذا. دخلنا السيارة مختلفين على حجم الحقائب، وخرجنا منها وكأن بيننا معرفة قديمة.

علبة تمر تترك صورة عن وطن

في آخر المواقف، ركبنا Black Cab مع سائق بريطاني. قلت في نفسي: هذه المرة لن تكون هناك قصة! سألنا: من أين أنتم؟ قلنا: السعودية. فقال إن عائلة سعودية ركبت معه قبل أيام وأعطته تمراً. أخذ يثني على طعمه وجودته، وقال إنه يبحث عن التمور حتى في المتاجر المعروفة في لندن، لكنه لم يجد مثل ذلك التمر. ثم أخذ يثني على السعودية والسعوديين. عائلة لا نعرفها، قدمت لسائق شيئاً بسيطاً وغادرت، ولم تكن تعرف أنها تركت وراءها صورة عن وطن كامل.

خرجت من هذه الحوارات بفكرتين. الأولى أن خلف كثير من الآراء التي نسمعها إنساناً له قصة. عندما تمنحه الوقت، وتسأله وتستمع إليه، قد لا تتفق معه، لكنك تفهم لماذا يرى العالم بالطريقة التي يراها. وعندها يتحول الحكم إلى فهم، وربما إلى تعاطف. والأخرى أننا عندما نسافر لا نحمل جوازات سفرنا فقط؛ نحمل أوطاننا معنا. طريقة تعاملنا، واحترامنا، وابتسامتنا، وكلمة طيبة، بل حتى علبة تمر، قد تصبح جزءاً من الصورة التي يحملها إنسان عن بلد بأكمله. قد يكون موقف صغير أقوى من مئة كلمة. ذلك السائق البريطاني لم يكن يتحدث عن حملة إعلامية أو إعلان شاهده عن السعودية. كان يتحدث عن عائلة سعودية عاملته بلطف وأهدته تمراً أعجبه. ربما هذه هي الدبلوماسية في أبسط صورها: إنسان يترك لدى إنسان آخر ذكرى طيبة. عدت من لندن بصور كثيرة، لكن أجمل ما عدت به لم يكن في هاتفي. حكايات سمعتها من غرباء، ووجوهاً ربما لن أراها مرة أخرى، وحوارات بدأت بسؤال عابر وانتهت بفكرة بقيت معي. في السفر نكتشف العالم، لكننا في الوقت نفسه نترك لدى العالم شيئاً منا… وشيئاً من وطننا.