الرئيسية›محليات›سؤال «أيُّكم محمد؟» ودروس التواضع في...
محليات

سؤال «أيُّكم محمد؟» ودروس التواضع في القيادة

يقدم النص تأملاً في مفهوم القيادة والسلطة مستنداً إلى قصة ضِمام وسؤاله عن محمد صلى الله عليه وسلم.

معنى السؤال وأبعاده الفلسفية

في مشهد بسيط زمنه، عميق المغزى، دخل ضِمام يطلب أعظم إنسان وطئت قدماه الأرض. وجد مجلساً يخلو من أي ترتيبات تعكس الامتياز: لا مقاعد تصنّف الناس حسب سلطانهم، ولا حواجز تُحدث مسافة، ولا متقدمين يسبقون القائد لتنبيه الحضور قبل قدومه.

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم حاضراً بينهم كأي شخص في المظهر، لكنه سيدهم في الحقيقة؛ لذا احتاج الوافد إلى من يشير إليه. عظمته تنبع من شخصه، ومكانته ثابتة في القلوب، فلم تحتاج إلى موكب يشرحها ولا ضجيج يجذب الانتباه. هيبتها نابعة من الوحي، ومدعومة بالأخلاق، وامتلاّت القلوب قبل أن تلفت الأبصار. هذا يعكس قول الله تعالى: ﴿وإنك على خلق عظيم﴾، وقد لخصت عائشة رضي الله عنها ذلك قائلة: «كان خُلُقه القرآن».

سؤال ضِمام «أيُّكم محمد؟» يعكس فلسفة شاملة حول السلطة. الراسخ في النفس هادئ بطبيعته؛ إذ إن القيمة الكاملة الداخلية لا تسعى لإثبات ذاتها بالخارج. والحامل للمنصب يشبه الأمين الذي يودع وديعته: يزداد مسؤوليته، ويقترب من حاجات الناس، ويتسع نطاق حسابه مع توسع سلطته.

المنصب كمرآة للنفس

وبذلك يصبح المنصب مرآة مكبرة لما يستقر في أعماق صاحبه: امتلاء أو فراغ، ثقة أو قلق، نضج أو شهوة للاعتراف. وأصدق علامة على ذلك أن يضيق المسؤول عندما يُنادى باسمه مجرداً من اللقب؛ كأن الاسم الذي رافقه طوال عمره لم يعد كافياً للتعريف به، وكأن كرامته أصبحت معتمدة على كلمة يسبقها الناس.

الواثق يأنس عند سماع اسمه بإنسانيته، بينما القلق يتمسك بلقبه خشية أن يُظهر الناس حقيقته. ومع تراجع رصيد المسؤول من الإنجاز، تتصاعد حاجته إلى المظاهر؛ موكب يقدمة، أصوات تعلن قدومه، أيادٍ تفتح الطريق، وهالة تُضخم حضوره. صاحب الإنجاز يقدم عمله قبل نفسه، بينما صاحب الفراغ يرسل آخرين أمامه ليخبروا الناس بمكانته. الأول يُذكر بأعماله وهو صامت، والثاني يرفع الضجيج حوله حتى لا يُسمع صمت سجله.

وللهالة صانعون يستفيدون منها؛ فبعض المقربين من المسؤول يحرصون على تضخيم صورته لأنه ينمون في أطرافها، فيوسعون الفجوة بينه وبين الناس لأن نفوذهم يوجد في تلك الفجوة. يقومون بإنشاء الحواجز باسمه، وإقامة الطقوس حوله، ثم يضلّلونه بأن ذلك يعكس تمام الهيبة وصيانة المقام، وقد تزداد هذه المظاهر دون أن يشعر.

من هنا يتحول انتباه المسؤول إلى وسيلة للتواضع؛ يراجع ما يُصنع باسمه، ويحلل الامتيازات التي تتزايد حول كرسيه، ويفتح الطريق الذي تسعى الحاشية لإغلاقه. فقد تحافظ الحاشية على موقعها زاعمة أنها تحمي هيبته، وقد تعزل المسؤول عن الحقيقة تحت غطاء التوقير، بحيث لا يسمع من مؤسسته سوى الصدى الذي أنتجته له. الهيبة الحقيقية تنشأ عن العدالة، وتحافظ عليها الإنجازات، وتعمقها التفانية. بينما الهيبة المصنوعة تستنزف روح المؤسسة لتغذي صورة شخص ما، وتستنفذ جهد العمل في تنظيم دخوله، وتلميع حضوره، وتوضيح أقواله. وقيمة القائد تكمن في ما يضيفه للمكان، وليس في ما يأخذه منه.

ثقافة العمل والإنجاز في العهد الزاهر

ومن ميزات هذا العهد المشرق في وطننا، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ترسيخ ثقافة العمل والإنجاز والكفاءة؛ إذ يصبح الموقع ميداناً للخدمة، والسلطة أمانة، وتظهر قيمة المسؤول في حياة الناس، وفي المشروعات التي أنجزها، وفي الأبواب التي فتحها، وفي الأثر الذي يستمر حياً بعد أن يترك المنصب.

ويستحق سؤال «أيُّكم محمد؟» أن يعلقه كل مسؤول على باب قلبه: بأي وسيلة يعرفني الناس؟ بما أمتلك حولي أم بما أصدرت من أعمالي؟ بهالة تسبق قدومي أم بخدمة تبقى بعدي؟ بلقب يقف بجانب اسمي أم بأثر يخلّد عملي؟