هل ما زالت شهادة الثانوية العامة تقيس التفوق الحقيقي؟

سؤال حول جدوى معدل الثانوية كمعيار للقبول
تثار تساؤلات حول ما إذا كان معدل الثانوية العامة لا يزال أداةً عادلة ودقيقة لتمييز المتقدمين للجامعات، خاصة بعد أن أعلنت جامعة الملك فهد عن اعتمادها بشكل أساسي على اختبارات معيارية بدلاً من الاعتماد على معدل المدرسة.
الحاجة إلى medida موحدة بين بيئات تعليمية متنوعة
تستقبل الجامعة آلاف المتقدمين القادمين من مدارس حكومية وأهلية وعالمية، ومن مدن وبيئات تعليمية متفاوتة، وتستشعر الحاجة إلى مقياس يمكن وضع الجميع عليه بشروط متقاربة. عندما ترى أن الاختبارات الموحدة توفر تفريقاً أفضل من معدل المدرسة، يفتح ذلك نقاشاً أعمق حول نظام التعليم ككل.
مشكلة تضخم الدرجات وفقدان القدرة على التمييز
المشكلة ليست في ارتفاع الدرجات نفسها، فنحن نتمنى أن يتفوق جميع الطلاب، بل تبدأ عندما يصبح ارتفاع الدرجات ظاهرة تمنعنا من التمييز بين مستويات التفوق الفعلية. عندما تتجمع أعداد كبيرة عند 98 و99 و100%، يطرح سؤال: هل هذه الأرقام تعكس فروقاً حقيقية في المستوى العلمي أم أننا أمام تضخم الدرجات وتأثير السقف، حيث ترتفع العلامات بينما تنخفض قدرتها على التفريق.
هل تتساوى النسبة بين مدارس مختلفة؟
هل يُعادل الحصول على 99% في مدرسة ما الحصول على نفس النسبة في مدرسة مختلفة؟ قد يحمل الطالبان نفس النسبة لكنهما لم يخضعا بالضرورة لاختبار واحد، ولا لمستوى صعوبة واحد، ولا لصرامة تصحيح واحدة، ولا حتى لبيئة تقييم متطابقة. هنا تتحول القضية من مجرد أرقام إلى مسألة عدالة، ولا يجوز أن ننتقل مباشرة إلى اتهام المدارس الخاصة أو غيرها بعدم الأمانة دون أدلة، لكن من المشروع التساؤل عن وجود ضغوط أو حوافز قد تدفع بعض المؤسسات إلى التساهل في التقييم، خاصة عندما تصبح نسبة الثانوية عنصراً تنافسياً في استقطاب الطلاب وتصبح الدرجات الكاملة أو شبه الكاملة أمراً مألوفاً.
دعوة لإعادة امتحان وطني موحد
من هنا يبرز السؤال الذي طالما تأجل: هل آن الأوان لإعادة الامتحان الوطني الموحد للثانوية العامة؟ لا يقصد العودة الحرفية إلى نموذج «التوجيهي» القديم الذي يقلص مستقبل الطالب إلى أيام قليلة من التوتر، بل العودة إلى الفكرة الجوهرية التي كان يقوم عليها: وجود معيار وطني مستقل وموحد يقف أمامه جميع الطلاب على مسافة واحدة، وهو ليس مفهوماً تجاوزته الدنيا.
أمثلة من دول أخرى
في فرنسا ما زالت شهادة البكالوريا تجمع بين الاختبارات النهائية والتقييم المستمر، بحيث تمثل الاختبارات النهائية 60% والتقييم المستمر 40%. وفي إنجلترا تقوم شهادات GCSE وA‑level على منظومة امتحانات رسمية منظمة وموحدة المعايير. وعربياً ما زالت مصر تعتمد امتحانات وطنية للثانوية العامة، بينما يحتفظ «التوجيهي» في الأردن بمكانته الأساسية في منظومة الانتقال إلى التعليم الجامعي.
فلسفة مشتركة ومعيار هجين مقترح
قد تختلف النسب والآليات بين هذه الدول لكن الفلسفة واحدة تقريباً: لا ينبغي أن تكون المدرسة التي تعلم الطالب هي المرجع الوحيد الذي يمنح الدرجة التي سينافس بها طلاب دولة كاملة. لهذا فإن النموذج الذي يستحق الدراسة في المملكة ليس إلغاء التقييم المدرسي ولا العودة الجامدة إلى الماضي، بل بناء ثانوية عامة سعودية حديثة هجينة: جزء من الدرجة يأتي من الأداء التراكمي للطالب طوال المرحلة الثانوية، وجزء معتبر يأتي من امتحانات وطنية موحدة في المواد الأساسية، تُبنى وفق معايير قياس علمية وتطبق في ظروف موحدة، وتصحيح مركزي واحد.
فوائد النموذج الهجين
بهذه الطريقة لا نظلم الطالب المجتهد طوال سنوات دراسته باختبار واحد، ولا نظلم طالباً درس في مدرسة شديدة الصرامة أمام آخر حصل على معدل أعلى في بيئة أكثر تساهل. بل إن فائدة الامتحان الوطني الموحد تتجاوز القبول الجامعي بكثير، إذ يمكن أن يصبح واحداً من أهم أجهزة قياس جودة التعليم في المملكة.
استخدام الفجوة بين المدرسي والوطني لتقييم المدارس
فعندما تمنح مدرسة طلابها معدلات تقترب باستمرار من 100% بينما تأتي نتائجهم في الاختبار الوطني أقل بكثير، تظهر لدينا فجوة موضوعية قابلة للقياس تستحق المراجعة. وإذا حققت مدرسة أخرى نتائج وطنية تفوق باستمرار درجات طلابها المدرسية، فقد يكون لدينا نموذج تعليمي متميز يستحق الدراسة، وعندنا نستطيع تقييم المدارس بالنتائج لا بالانطباعات ومقارنة المناطق بصورة أكثر عدلاً واكتشاف مواطن الضعف في المناهج والتدريس، بل وقياس جودة مخرجات التعليم عاماً بعد عام.
المفارقة والسبيل إلى الأمام
هنا تظهر المفارقة الأكبر: لقد أنشأنا اختبارات معيارية مثل “القدرات والتحصيلي” لأن معدل الثانوية وحده لم يعد كافياً للمفاضلة الدقيقة بين المتقدمين. واليوم نصل في مسار القبول الأساسي في إحدى أبرز جامعاتنا إلى معادلة يصبح فيها معدل الثانوية بلا وزن، بينما تنتقل المفاضلة بالكامل تقريباً إلى اختبارات خارج التقييم المدرسي التقليدي. ألا يستحق ذلك أن نسأل: بدل أن نستمر في بناء اختبارات إضافية لتعويض ضعف قدرة شهادة الثانوية على المفاضلة، لماذا لا نصلح شهادة الثانوية نفسها حتى تستعيد قيمتها؟
شهادة يقضي الطالب اثني عشر عاماً حتى يصل إليها، لا ينبغي أن تتحول تدريجياً إلى ورقة لا تثق الجامعات بقدرتها وحدها على التفريق بين المتقدمين. والقضية في النهاية ليست حنيناً إلى «التوجيهي»، ولا دعوة إلى امتحان مرعب يحدد مصير الطالب في يوم واحد، بل دعوة إلى استعادة شيء أكثر أهمية: المعيار الوطني المشترك، حيث يأتي من خلاله نظام يحفظ للمدرسة دورها، وللمعلم مكانته، وللاجتهاد التراكمي قيمته. لكنه يضع إلى جانب ذلك ميزاناً وطنياً مستقلاً يخضع له الجميع، من المدرسة الحكومية إلى الأهلية والعالمية، ومن الرياض وجدة إلى أصغر مدينة وقرية.
العدالة التعليمية لا تعني أن يحصل أكبر عدد من الطلاب على 100%، بل أن نكون واثقين أن الدرجة التي يحملها الطالب تعني الشيء نفسه أينما حصل عليها. عندما تضطر جامعة بحجم ومكانة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن إلى البحث عن أدوات معيارية أخرى للمفاضلة، فالرسالة التي ينبغي أن نلتقطها ليست اتهام المدارس ولا التشكيك في أبنائنا، بل طرح السؤال الأصعب على نظامنا التعليمي كله: هل ما زالت شهادة الثانوية العامة تقيس ما نعتقد أنها تقيسه؟
إن أُبقيت الثانوية على حالها وثيقة سهلة في موضع وصعبة في موضع فستتوسع ظاهرة جامعة الملك فهد: كل مؤسسة جادة ستُقلّص وزن المعدل أو تلغيه. وعندها لا تكون المشكلة جامعة تخلّت عن الثانوية بل ثانوية تخلّت عن أن تكون مقياساً. وإذا كانت الإجابة تحتاج إلى كل هذه الاختبارات الخارجية حتى نتأكد، يكون الوقت قد حان لإعادة بناء منظومة الثانوية نفسها؛ فنحن لا نحتاج بالضرورة إلى العودة إلى «التوجيهي» القديم، بل إلى توجيهي سعودي جديد بمفهوم القرن الحادي والعشرين: مرن وعادل ومعياري ورقمي، يجمع بين التقييم المستمر، والامتحان الوطني الموحد، حيث يعيد للشهادة هيبتها، وللدرجة معناها وللمنافسة عدالتها؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لنظام تعليمي ليس أن تنخفض درجات طلابه، بل أن ترتفع الدرجات إلى الحد الذي تفقد فيها قدرتها على إخبارنا من المتفوق فعلاً!!










