كيف نميز بين الشهرة الحقيقية والقيمة عند اختيار قدواتنا

ليس كل من يحظى بشهرة واسعة يُعتبر قدوة يستحق الاقتداء به، وليس كل من جمع ملايين المتابعين يحمل ما يبرر أن يُتخذ مثالاً يُحتذى به.
الخلط بين الانتشار والقيمة
في الماضي، كانت القدوة تُبنى عبر سنوات من العلم والعمل والمواقف والإنجازات التي تستحق السرد. اليوم، قد يكفي مقطع قصير أو موقف مثير للجدل أو محتوى يكرر نفسه ليحصل صاحبه على ملايين المشاهدات، ثم تُبنى حوله صورة تفوق حقيقته بكثير.
المشكلة لا تكمن في الشهرة نفسها؛ فهناك مشاهير يقدمون محتوى نافعًا ومحترمًا، ويستخدمون شهرتهم في المعرفة والتوعية والعمل الإنساني والمبادرات المجتمعية. الصعوبة تظهر عندما نعطي الشهرة وحدها وزنًا أخلاقيًا وفكريًا لا تستحقه، ونضع كل من عرفه الناس في موقع القدوة لمجرد أنه معروف.
معايير القدوة الحقيقية
الأجيال الناشئة بدأت تقيس النجاح بما تراه على الشاشات: سيارة فارهة، سفر متواصل، مطاعم، ملابس، إعلانات، وأعداد ضخمة من المتابعين. بينما تختفي خلف هذه الواجهة نماذج تستحق الانتباه: معلم يبني جيلًا، طبيب ينقذ حياة، باحث يضيف معرفة، متطوع يخدم مجتمعه، أب وأم يؤسسان أسرة صالحة، وشاب بدأ من الصفر وصنع مستقبله بالعمل والاجتهاد. هؤلاء قد لا تلاحقهم الكاميرات، ولا تتصدر أسماؤهم قوائم الأكثر تداولًا، لكن أثرهم في الحياة يفوق ضجيج كثير ممن نرهم يوميًا.
دور الأسرة والإعلام والمجتمع
نحتاج إلى إعادة تعريف كلمة “قدوة” في عقول أبنائنا. القدوة ليست من نعرف تفاصيل يومه، بل من نتمنى أن نتعلم من مبادئه وأخلاقه وعمله. ليست من يجيد لفت الأنظار، بل من يترك أثرًا يستحق الاحترام.
مسؤولية الأسرة والإعلام والمجتمع واضحة: لا يكفي أن نشتكي من المحتوى السطحي ثم نشارك في تضخيم أصحابه بالمشاهدة والنشر والتعليق. نحن جزء من صناعة الشهرة، وكل نقرة ومشاركة تمنح محتوى ما مساحة إضافية، سواء كان يستحقها أم لا.
علينا أن نعلّم أبناءنا سؤالًا بسيطًا قبل الإعجاب بأي شخصية مشهورة: بماذا اشتهر؟ وماذا أضاف؟ وما الذي يمكن أن أتعلمه منه؟ فالشهرة قد تأتي في ليلة، وتختفي في ليلة أخرى، بينما القدوة الحقيقية لا تصنعها خوارزمية ولا عدد المتابعين. لا تصنعوا من كل مشهور قدوة؛ فبعض من يستحقون أن يكونوا قدوة يعيشون بعيدًا عن الأضواء، لكنهم أقرب إلى صناعة المستقبل.










