تأملات في إيلاف قريش: حين تغيب عنا قيمة النعم بالألفة

في وقفة تأملية مع قول الله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)، يبرز معنى عميق يتعلق بكيفية تعامل الإنسان مع النعم التي تحيط به. فكثيراً ما تألف النفس الخير حتى يصبح أمراً عادياً، فلا تعود تستشعر عظمته، ولا تتوقف لحظة لشكر المنعم به.
إنه عتاب إلهي يوقظ في النفس معنى جليلاً: كم من نعم تحيط بنا نعيش تفاصيلها يومياً، حتى اعتدنا وجودها، ونسينا أن نشكر من وهبنا إياها.
نعم نألفها حتى ننساها
نستيقظ كل صباح ونحن ننعم بالأمن، نمضي في حياتنا بصحة وعافية، نجتمع بأهلنا وأحبابنا، نأكل ونشرب وننام مطمئنين، وكأن كل هذه النعم حق مكتسب، لا عطايا من الله تستوجب الحمد والشكر.
وما أصعب أن يعتاد الإنسان النعمة فلا يعرف قيمتها إلا حين يفقدها! فالصحة لا يشعر بعظمتها إلا من أنهكه المرض، والأمان لا يدرك قيمته إلا من عاش الخوف، ووجود الأحبة لا يعرف ثقله في القلب إلا من ذاق مرارة الفقد.
عبرة من سورة قريش
وفي سورة قريش تذكير عظيم بنعمتي الإطعام والأمان، قال تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ). وكأنها دعوة لنا أن نتأمل ما بين أيدينا، وألا تجعلنا الألفة نغفل عن فضل الله.
ولعل من أشد صور الغفلة أن ينشغل الإنسان بما ينقصه، وينسى ما يملكه، فيقضي عمره يطارد المزيد، دون أن يلتفت إلى نعم لو فقد واحدة منها لتمنى عودتها بكل ما يملك.
دعوة للشكر والوعي
ليست المصيبة دائماً في زوال النعمة، بل قد تكون في وجودها مع غياب الشعور بها. فلنحمد الله على وطن آمن، وبيت دافئ، وصحة تستر ضعفنا، وأحبة يملؤون حياتنا، وعلى نعم نراها وأخرى لا نعلم عنها شيئاً.
اللهم لا تجعل اعتيادنا لنعمك سبباً في غفلتنا عن شكرك، ولا تعرّفنا قيمتها بفقدها، وأدم علينا نعمك ظاهرها وباطنها. فالحمد لله على النعم التي ألفناها، حتى نسينا أنها من أعظم أسباب سعادتنا.










