الرئيسية›تكنولوجيا›مركز الابتكار السعودي التابع لـ«إتش بي...
تكنولوجيا

مركز الابتكار السعودي التابع لـ«إتش بي إي» ينتقل بالسيادة الرقمية من الطموح إلى التنفيذ

أعلنت شركة «إتش بي إي» عن تحول جوهري في مسار التوطين التقني بالمملكة العربية السعودية، يتجاوز مجرد تصنيع الأجهزة ليشمل تطوير البرمجيات وبناء الملكية الفكرية المحلية. وأوضح سامر صلاح، مدير البرامج الاستراتيجية لتطوير الأسواق في الشرق الأوسط لدى الشركة، أن هذا التوجه يترجم طموح السيادة الرقمية إلى قدرة تشغيلية فعلية، عبر مركز الابتكار السعودي الذي أُسس بالتعاون مع شركة «إنتل» في المقر الجديد للشركة بالرياض.

من «صناعة سعودية» إلى حلول سعودية

ويأتي إنشاء المركز تتويجاً لجهود بدأت منذ عام 2023 بقيادة المهندس محمد الرحيلي، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط في «إتش بي إي»، وبالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء. وانطلقت هذه القاعدة المحلية عام 2024 بإنتاج خوادم تحمل علامة «صناعة سعودية» بالتعاون مع شركة «الفنار»، ثم توسعت في عام 2025 لتشمل محفظة أوسع من المنتجات وسلسلة إمداد محلية متكاملة. ويمثل المركز الخطوة التالية في تحويل ما جرى توطينه من بنية تحتية وخبرات إلى حلول سعودية ذات قيمة قابلة للقياس والتطبيق الميداني.

منصة تشغيلية للابتكار التطبيقي

وأكد سامر صلاح أن المركز ليس مجرد مختبر أو معرض، بل هو منصة تشغيلية متكاملة تجمع تحت سقف واحد البنية التحتية المصنعة محلياً، وشركات البرمجيات المستقلة، والشركات السعودية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والكفاءات الهندسية، وشركاء التنفيذ. ويوفر المركز مساراً منضبطاً يبدأ بتحديد تحدٍ معين لدى جهة مستفيدة، يليه اختيار شركة تقنية سعودية وفق معايير تأهيل واضحة تُوضع بالتنسيق مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات. ثم يُبنى نموذج أولي ويُختبر على منصات الحوسبة والتخزين والشبكات المصنّعة محلياً، وتُقاس جدواه التقنية وقيمته التجارية قبل اعتماد الحل وتهيئته للتسويق والنشر. وقال صلاح: «المركز ليس مختبراً أو صالة عرض، بل حلقة وصل دائمة بين الابتكار المحلي والطلب الحقيقي في السوق».

وتتنوع مجالات عمل المركز لتشمل التوأم الرقمي، والنماذج اللغوية الصغيرة، ومنصات الاستدلال. ويطمح المركز خلال عام 2027 إلى ضم 30 شركة سعودية، واعتماد 12 حلاً تقنياً، وتمكين 150 موهبة وطنية. ويرتبط المركز بعلاقة تكاملية مع برنامج «صناعة سعودية، تطوير سعودي، تطبيق سعودي» المعروف باسم «صمد»، الذي أُطلق بالتعاون مع «إنتل» ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وبمشاركة شركات سعودية ضمن الشركاء المؤسسين. فبينما يوفر المركز البيئة اللازمة لتطوير الحلول واختبارها وإثبات قيمتها، يتولى البرنامج نقل الحلول المعتمدة إلى مرحلة التنفيذ التجاري.

نموذج التوأم الرقمي في «ليب 2026»

وأشار سامر صلاح إلى أن حل التوأم الرقمي يجسّد هذا النموذج بشكل عملي، إذ طُوّر داخل المركز بالشراكة مع شركة «شاهين لأنظمة الذكاء الاصطناعي»، واستُضيف على بنية تحتية مصنّعة في المملكة، ثم طُبّق مباشرة على نطاق تجاري لإدارة الحشود خلال معرض «ليب 2026»، وعُرضت نتائجه على المنصة الرئيسية للمعرض. وأكد صلاح أن التطبيق لم يكن مجرد نموذج تجريبي، بل تشغيلاً فعلياً للحل في بيئة حقيقية، مما يمنح الشركات التقنية السعودية طريقاً واضحاً يبدأ بالابتكار، ويمر بالتحقق، وينتهي بالوصول إلى السوق.

من استيراد المنتجات إلى امتلاك سلسلة القيمة

ولفت سامر صلاح إلى أن إنشاء المركز في المملكة يأتي في ظل تحوّل السيادة الرقمية إلى أولوية عالمية، مع ازدياد الاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد التقنية. وأوضح أن المملكة أصبحت مستعدة لهذه الخطوة بعد أن بنت خلال السنوات الماضية قاعدة متكاملة تشمل الحوسبة والتخزين المصنّعين محلياً، والتصنيع التعاقدي داخل المملكة، وخدمات التكامل والاختبار. وأشار إلى أن المركز يربط هذه القدرات بالمواهب والملكية الفكرية والطلب المحلي، لينقل المملكة من مرحلة توطين المنتجات إلى امتلاك سلسلة قيمة سيادية، وبناء قدرة مستدامة على ابتكار الحلول وتشغيلها وتوسيع نطاقها.

وحول الفرق بين هذا النهج ومجرد إدخال تقنيات «إتش بي إي» إلى السوق السعودية، قال صلاح: «استيراد التقنية يضيف منتجاً إلى السوق، أما هذا النموذج فيحتفظ بجزء أكبر من القيمة داخل المملكة عبر توطين سلسلة القيمة». وأوضح أن هذا النهج يشمل توطين التصنيع والخدمات الهندسية والتكامل والدعم، وتمكين الشركات السعودية من بناء برمجيات وحلول على منصات محلية، مما يحقق مرونة أعلى في سلاسل الإمداد، وتحكماً أفضل في أعباء العمل الحساسة، وخفضاً لتكلفة بعض سيناريوهات الاستدلال غير المعتمدة على وحدات معالجة الرسومات، إلى جانب توفير فرص نمو للشركات المحلية بدلاً من حصر دورها في إعادة البيع.

منظومة متكاملة من الشركاء

وفيما يتعلق بأدوار الجهات المشاركة، تقوم وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بربط المبادرة بالأولويات الوطنية ودعم تأهيل الشركات، بينما توفر «إتش بي إي» منصات البنية التحتية والسحابة الهجينة والخبرات الهندسية والتجارية. وتسهم «إنتل» بتقنيات الحوسبة وتصميم الحلول وتحسين أداء الذكاء الاصطناعي وتمكين المطورين. كما تقدم شركات سعودية، من بينها «شاهين لأنظمة الذكاء الاصطناعي» و«مزن» و«أومني أوبس»، الملكية الفكرية والتطبيقات المحلية، بينما يتولى شركاء التنفيذ أعمال التكامل والنشر والدعم، ضمن منظومة توحّد الجهود حول حلول قابلة للاعتماد والتسويق المشترك بدلاً من مبادرات متفرقة.

وبحسب مدير البرامج الاستراتيجية لتطوير الأسواق في الشرق الأوسط، يتيح المركز للمؤسسات السعودية اختبار حالات استخدام مرتبطة بتحديات تشغيلية حقيقية قبل الاستثمار واسع النطاق، والتحقق فنياً من الأداء والأمن والتكامل، وقياس قيمة الأعمال، ثم الانتقال إلى مرحلة النشر بالتعاون مع شريك محلي مؤهل. كما يوفر وصولاً متزامناً إلى البنية التحتية والخبراء والمطورين وشركاء التطبيق ضمن مسار واحد، مما يختصر الوقت بين الفكرة والقرار التجاري.

وعلى مستوى الطموحات الوطنية، يسهم المركز في سد فجوة ما وصفه بـ«الاقتصاد الدائري للابتكار»، من خلال تحويل الحلول من تجارب أولية إلى أصول قابلة للتكرار، وتوثيق المعرفة، واعتماد التصاميم المرجعية، وإعادة استخدام الحلول الناجحة وتطويرها في قطاعات متعددة، مما يخفض تكلفة الابتكار ويزيد العائد من الاستثمار المحلي.

واختتم سامر صلاح حديثه بالقول: «نطمح على المدى البعيد إلى بناء منصة مستدامة تولّد ملكية فكرية ومواهب وشركات سعودية قادرة على تلبية الطلب المحلي، ثم تطوير حلول جاهزة للتصدير والمنافسة إقليمياً وعالمياً».