الرئيسية›كتاب و آراء›إياك أن تسلّم مفاتيح تفكيرك إلى...
كتاب و آراء

إياك أن تسلّم مفاتيح تفكيرك إلى الذكاء الاصطناعي

ربما لا يكمن الخطر الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي في أن تتفوق الآلة على الإنسان، بل في أن يعتاد العقل البشري، شيئاً فشيئاً ودون أن يدرك، على التوقف عن التفكير إلا بوساطتها. فبينما تنصب الأسئلة المتداولة على ما يمكن أن تقدمه هذه التقنية للإنسان، يبقى سؤال أشد عمقاً بحاجة إلى إجابة: ما الذي يمكن أن تفعله التقنية بنا نحن؟

مشهد صغير يتكرر يومياً أمام ملايين الشاشات: موظف يوجّه سؤالاً إلى الذكاء الاصطناعي، ينتظر ثوانٍ معدودة، ثم ينسخ الإجابة ويرسلها، سواء أكانت تقريراً أم تحليلاً أم رسالة أم فكرة مشروع. تبدو المهمة منجزة، ويبدو المشهد انتصاراً للكفاءة، لكنه ربما يخفي خسارة صامتة لا تظهر في مؤشرات الإنتاجية؛ ففي كل مرة يُسلَّم فيها التفكير كاملاً إلى التقنية، يُهدر احتمال تعلم التفكير الذاتي.

علاقتان مختلفتان بالتقنية

دراسة حديثة أعدّها الباحثان ماونا مو ووينهاو لو، ونشرتها «وقائع أكاديمية الإدارة»، تضع إطاراً واضحاً لهذا الفارق. إذ يميز الباحثان بين نمطين من استخدام الذكاء الاصطناعي: نمط يحافظ على استقلالية الإنسان، ونمط آخر يقوم على التبعية الكاملة للتقنية.

في النمط الأول، لا يُطلب من التقنية أن تحل محل التفكير البشري، بل أن تعين الإنسان على التفكير بشكل أعمق. يطرح المستخدم أسئلته، ويناقش الإجابات، ويعترض عليها، ويطلب بدائل وحججاً مضادة، ويختبر منطق التقنية، ثم يضيف إليها خبرته وحكمه. يبقى الإنسان ممسكاً بزمام المبادرة، بينما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك يوسع آفاق المعرفة.

أما في النمط الثاني، فتنقلب العلاقة رأساً على عقب: تنتج التقنية الإجابة، ويتحول دور الإنسان إلى مجرد قبولها.

الإبداع حليف الاستقلالية

وبعد تطوير مقياس شمل 300 موظف، اختبر الباحثان فرضيتهما باستخدام بيانات متعددة المراحل جمعت من 113 ثنائياً يتألف كل منها من مدير وموظف. وأظهرت النتائج أن الاستخدام القائم على الحفاظ على الاستقلالية ارتبط بمستويات إبداع أعلى، في حين لم يحقق الاستخدام القائم على التبعية الأثر الإبداعي ذاته.

لنتأمل موظفين طُلب من كل منهما إعداد تحليل للسوق. الأول يطلب من الذكاء الاصطناعي إنجاز التحليل كاملاً، فيراجعه مراجعة سريعة ثم يرسله. أما الثاني فيبدأ بتحليله الخاص، ثم يسأل التقنية: ما الذي فاتني؟ أين موطن الضعف؟ ما الحجة المضادة؟ وماذا تقول البيانات إذا أُعيد النظر فيها من زاوية مغايرة؟

الأول أنجز المهمة فحسب. أما الثاني فقد أنجزها وطوّر نفسه في الوقت نفسه.

مهارات تُبنى بالاستخدام لا بالامتلاك

قد لا يظهر أثر هذا الفارق اليوم، لكنه سيتراكم مع الوقت. فالمهارات تشبه العضلات: لا تنمو باقتناء أدوات قوية، بل بالممارسة والاستعمال. وإذا تولى الذكاء الاصطناعي عن الإنسان أعمال الكتابة والتحليل والمقارنة واقتراح الأفكار، فماذا يتبقى للعقل ليتدرب عليه؟

ولهذا، ربما تحتاج المؤسسات إلى تغيير السؤال الذي تقيس به نجاح الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من «كم ساعة وفّرها لنا؟»، يصبح السؤال الأجدى: «ما الذي أصبح موظفونا أفضل في فعله بسببه؟»

فالذكاء الاصطناعي الأفضل ليس ذلك الذي يجعل الإنسان أقل ضرورة، بل الذي يجعله أكثر قدرة. وقد نكتشف أن أهم مهارة في هذا العصر ليست معرفة كيفية استخدام التقنية، بل معرفة متى نستعين بها لنفكر على نحو أفضل، ومتى نطلب منها أن تصمت قليلاً… لنفكر نحن بأنفسنا.