الرئيسية›كتاب و آراء›لماذا فشل القائد الذي لا يصنع...
كتاب و آراء

لماذا فشل القائد الذي لا يصنع من يخلفه؟

في عالم الإدارة، ثمة إطراء يبدو براقًا ولكنه قد يخفي إشكالية جوهرية: “لا يمكن الاستغناء عنه”. غالبًا ما نردد هذه العبارة بحق مدير أمضى عقدين في موقعه، وأحاط بكل الملفات، وأصبحت معظم القرارات تمر عبر مكتبه. إذا غادر في رحلة عمل، توقفت المعاملات في انتظاره. وإذا تغيب، امتلأت الهواتف بالاستفسارات. وعندما يثار احتمال رحيله، يسود القلق: كيف سنتدبر أمرنا بدونه؟

نحن نعدّ ذلك دليلاً على نجاحه. لكن ماذا لو كان العكس تمامًا؟ فالقيادة ليست فن جعل الآخرين في حاجة دائمة إليك. وربما يكون أعظم إنجاز للقائد هو أن يبني – بصبر – مؤسسة قادرة يومًا على الاستغناء عنه.

مقياس ناقص للنجاح

لهذا السبب يبدو مقياسنا التقليدي للنجاح قاصرًا. نسأل المدير عن الإيرادات، والمشروعات، والأرباح، والأزمات التي تجاوزها. نُحصي سنوات بقائه في المنصب، ونُدرجها في سيرته الذاتية بفخر. لكننا نادرًا ما نطرح عليه سؤالاً أبسط وأصعب: كم قائدًا صنعت خلال وجودك هنا؟

تشير دراسات التعاقب القيادي إلى حقيقة يعرفها المدراء الجيدون بالفطرة: الخليفة لا يُعد عندما يصبح الكرسي شاغرًا، بل يُصنع قبل ذلك بسنوات؛ في مهمة صعبة أُسندت لموظف شاب، وفي اجتماع أُتيح له فيه الحديث، وفي قرار أخطأ فيه دون أن يُعاقب على المحاولة، وفي مدير فضّل تعليمه أسرار المهنة بدلاً من الاحتفاظ بها لنفسه. لكن ذلك يتطلب نوعًا نادرًا من الثقة.

من الإعجاب إلى الحذر

فبعض المدراء يكنّون الإعجاب للموظف الموهوب حتى اللحظة التي يبدأ فيها بالتألق أكثر من اللازم. حينها يتحول الإعجاب إلى حذر. تُضيق الصلاحيات، وتُحتكر المعلومات، ويصبح المدير مركز الكون الصغير الذي يديره. تكبر أهميته وتصغر المؤسسة.

أما القائد الحقيقي فيفعل شيئًا أكثر شجاعة: يبحث عن الشخص الذي قد يصبح أفضل منه. يمنحه مساحة. يسمح له بأن يخالفه الرأي. يدفعه نحو مسؤوليات تتجاوز منطقة راحته بقليل. يراقبه وهو يتعثر، ثم يساعده على النهوض. ومع الوقت، لا يصنع تابعًا وفيًا، بل قائدًا مستقلاً.

مفارقة القائد العظيم

وهنا تكمن المفارقة: أفضل القادة يعملون سنوات من أجل يوم تصبح فيه الحاجة إليهم أقل.

تخيل مديرين يغادران منصبيهما في اليوم نفسه؛ الأول يرحل بعد عشرين عامًا، فتهتز المؤسسة. تتوقف القرارات، ويبحث الجميع عن شخص يعرف ما كان يعرفه. والثاني يغادر، فيجلس مكانه شخص أعدّه منذ سنوات. ويتقدم آخر ليأخذ موقع ذلك الشخص. ثم تستمر المؤسسة وكأن شيئًا لم ينكسر. من منهما كان أنجح؟

ربما حان الوقت لنتوقف عن قياس القادة بطول بقائهم على الكراسي. القائد الذي لا يصنع من يخلفه لم ينجح بعد.