الرئيسية›كتاب و آراء›الساعة المتوقفة: حتى الصدق المصادف لا...
كتاب و آراء

الساعة المتوقفة: حتى الصدق المصادف لا يبني ثقة

الساعة التي توقفت عن العمل قد تصادف أن تشير إلى الوقت الصحيح مرتين كل يوم. ومع ذلك، لا أحد يعتمد عليها أو يضع فيها ثقته. قد تنظر إليها في لحظة ما فتجدها مطابقة للوقت تماماً، فتخيّل للحظة أنها عادت إلى الحياة، لكن سرعان ما تمر الدقائق لتكتشف أنها لا تزال عالقة في ذات المكان.

الصدق المصادف لا يصنع إنساناً صادقاً

وهذا ينطبق على بعض البشر أيضاً. قد يصدق الكاذب مرة، وقد يقول الحقيقة في موقف ما، وقد يمنحك كلمة تبدو صافية لدرجة تدفعك إلى إعادة النظر في كل شيء. لكن الحقيقة التي تأتي بمحض الصدفة لا تصنع إنساناً صادقاً. فالصدق ليس مجرد لحظة عابرة؛ الصدق هو سلوك متكرر، وموقف ثابت، ومبدأ لا يتغير بتغير المصالح.

أما من لا يقول الحقيقة إلا عندما تناسبه، أو حين تنكشف أكاذيبه، أو عندما تضيق به السبل، فهو لا يمارس الصدق حقيقةً؛ إنه فقط يستخدمه كأداة. وهنا تكمن المشكلة الجوهرية.

ليست المشكلة في الكاذب وحده

ليست المشكلة دائماً في الكاذب نفسه، بل أحياناً فينا نحن عندما نلتقط له من بين عشرات الأكاذيب لحظة صدق واحدة، ثم نبني عليها جبلاً من الأعذار. نقول في أنفسنا: لكنه كان صادقاً هذه المرة. نعم، والساعة المتوقفة أيضاً تكون صحيحة مرتين. لكن هل تعتمد عليها؟ هل تضبط مواعيدك وفقاً لها؟ هل تسلم لها يومك؟ بالطبع لا، لأنك تعلم أن إصابتها للوقت لم تكن نتيجة دقة، بل نتيجة صدفة محضة.

وهكذا بعض الناس، قد تصادف أن تكون الحقيقة في صالحهم فيقولونها، ثم نخطئ نحن عندما نمنحهم بسببها شهادة صدق كاملة. هناك فرق كبير بين من أخطأ فكذب، وبين من اعتاد الكذب؛ الأول قد يراجع نفسه ويعتذر ويتغير، أما الثاني فيعيد تشكيل الحقيقة كل مرة بحسب ما يخدمه، ثم يطلب منك أن تصدقه فقط لأنه صادف أن قال الحقيقة مرة.

لا تمنح الثقة بناءً على استثناء

وهنا يجب أن تنتبه: لا تجعل لحظة واحدة تمحي تاريخاً كاملاً. ولا تجعل كلمة صحيحة تلغي عشرات المواقف الخاطئة. ولا تمنح الثقة بناءً على استثناء. فالناس لا يُقاسون بما يفعلونه مرة واحدة، بل بما يتكرر منهم. والثقة لا تُمنح لمن يعرف كيف يقول الحقيقة، بل لمن لا يعرف كيف يخونها.

في مرحلة ما، يجب أن تتوقف عن تحليل كل موقف، وعن البحث عن مبرر لكل كذبة، وعن إعادة ترتيب الوقائع حتى تناسب الصورة التي تريد أن تصدقها. فبعض الناس لا يحتاجون إلى المزيد من الأدلة. يكفي أنهم كرروا الفعل. ويكفي أنك في كل مرة كنت تحتاج إلى تفسير جديد حتى تستطيع البقاء.

وتذكر دائماً: حتى الساعة المتوقفة تصدق مرتين في اليوم، لكنها مع ذلك تظل ساعة لا يُوثق بها.