الرئيسية›كتاب و آراء›التشفي حين يفتقر الإيمان: تأملات في...
كتاب و آراء

التشفي حين يفتقر الإيمان: تأملات في السلوك والأخلاق

التشفي وفقدان الإيمان

الاضطراب النفسي والفراغ القيمي ومركب النقص الذي يعاني منه المتشفي يدل على انصراف الفكر عن سمو الأخلاق والابتكار والإبداع والعطاء، فيبحث عن وسيلة maladaptive لملء ذلك الفراغ عبر سلوك مشين ينبع من فقدان الإيمان. هذا السلوك ينطوي على انتهاك لأبسط الحقوق الإنسانية والأخلاقية والواجبات المترتبة عليه.

عندما تكون نية الإنسان صافية وقلبه مليء بالنبل والصفاء، فإنه يجد من الآخرين مثل ما قدم لهم أثناء محنتهم، وهو تجسيد لتأصيل التكافل. أبواب الخير مشرعة لكل من أعان بالقول والعمل، ويلحظ أن بعض الناس بعد أن يشمتوا ويشعروا بالرضا يختتمون حديثهم بالدعاء “اللهم لا شماتة”.

الثبات في الشكر وتقلبات الأحوال

ينبغي على المؤمن تصفية قلبه عبر فلترة مستمرة تنقي القلب من الشوائب وتطردها خارجًا؛ المؤمن الدائم يحمد الله في السر والعلن، في السراء والضراء. من المعلوم أن دوام الحال من المحال؛ فالتعرض لظروف ومواقف قد لا تتفق مع الرغبات هو جزء من الحياة، فقد يرغب في شيء ولا يتحقق لأي سبب، أو يكون العكس مما كان يرجوه.

هذه الحقيقة تفرض التسليم بأن الاستقرار والبقاء على حالة معينة لا يمكن ثباته طبقًا لتقلبات الحياة؛ فقد يكون فقيرًا ويغنيه الله من فضله، وقد يكون غنيًا ويبتليه المولى بزوال شيء من ماله أو كله، وقد يصبح معافى ثم يمسي مريضًا أو العكس. ومع ذلك، المؤمن الصادق يلهج لسانه بالشكر والثناء لخالقه؛ فقد يكون ذهاب المال أو جزء منه خيرًا له ودرءًا لشرور أقسى لو استمر المال معه، وقد يكون المرض خيرًا من الهلاك لو استمرت الصحة.

الدعاء كعلاج للشماتة وبناء الأخوة

من هذه الثوابت الراسخة ينبع اليقين المطلق، ويتجسد من خلال التفاعل الصحيح مع معطيات الحياة قولا وعملا، والتحكم في التفاعلات النفسية، خاصة التعامل مع رد الفعل على الأحداث. بهذه الطريقة تسهل الصعاب وتصغر العظائم وتهون المصائب، إذ يوقن الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه في استشعار بديع بحلاوة الإيمان والثقة بالمولى، ليصيب الخير في السراء والضراء، في الرخاء والشدة؛ فإن صبر وشكر فله الأجر وكان ممن بشرهم المولى تبارك وتعالى.

دائمًا تتردد في الأسماع كلمة بليغة عميقة متوارثة وستظل بإذن الله كذلك: “خير فيما لو لم يتحقق ما أراد في اتكاء صلب على قوة الإيمان”. وما أجملها وما أجملنا عندما نرددها بين صغارنا كما فعل آباؤنا بقناعة مطلقة بما تحقق وما لم يتحقق؛ فلربما لو تحقق تتمنى بأنه لم يتحقق أو العكس.

الضمان في البقاء على حالة معينة ضرب من الخيال، والضامن هو المولى سبحانه وتعالى، والخير فيما اختاره جل في علاه؛ لأن المسببات التي تستدعي الاستمرار والبقاء على الحالة نفسها قد تزول، ومن ضمنها الإنسان الذي هو الآخر قد يزول في أية لحظة. لذا، عندما يتلقى الإنسان خبرًا ما، تتدفق الخواطر بسرعة لتتشكل ملامح المشاعر المصاحبة لهذا الخبر وفق ما يقره العقل ورهنًا باطمئنان القلب أو شقائه وتعاسته. وهذا يؤثر على رد الفعل التلقائي لأول وهلة، وهي لحظة خصبة للاستثمار المثمرو عندما يكون الدعاء لمن ألمت به لائمة حاضرًا وبسرعة فائقة، فإن ذلك يئد الغفلة في مهدها.

فليست الشماتة من الدين والأخلاق في شيء؛ نسأل المولى تبارك وتعالى أن يسبغ علينا نعمة التراحم والتآلف والتواد أخوة متحابين، تربط بين قلوبنا علاقات قوية متينة ينبري لها الإحسان وتظللها الرأفة والحنان، مشكلة عقودًا مضيئة تتلألأ وتعانق عنان السماء في شموخ لم يكن إلا استجابة لأوامر الرحمن، وانقيادا لا يشوبه الرياء والسمعة، ومشاعر صادقة تفيض بالحب والنبل والسماحة.

حمد عبدالرحمن المانع