الرئيسية›كتاب و آراء›امرأة من غزة تخاطب الموت: وعدك...
كتاب و آراء

امرأة من غزة تخاطب الموت: وعدك لم يتحقق وأنا أدفن نفسي مراراً

منذ طفولتي عرفتك أيها الموت، ففي يوم وداع والدي قطعت لي عهداً بأن ألقاك قريباً، لكنك لم تَفِ بذلك الوعد. ثم تكررت لقاءاتنا في جنازات كثيرة، كان آخرها جنازتي أنا ذاتها، ومع ذلك لم تحرك ساكناً، أيها الغريب المتقلب. وكالعادة، تطلق الوعود ثم تنقضها دون أي أثر.

خيبة أمل متجددة

لقد فقدت ثقتي بك حين صدقتك حين أوهمتني أنك مجرد حفرة يغطيها التراب، وأنني سأصبح معك سراً مجهولاً لمرة واحدة أبدية سرمدية. لكنك أخفيت عني الحقيقة: أنني سأدفن نفسي بنفسي عشرات المرات، وستبقى الحجارة فوق قبري بلا أي نقش أو حبر.

أنا جسد بلا رأس، لأن الرأس يحمل الأمل. أنا رياح صامتة بلا قلب، لأن القلب يخبئ الغد. أنا بقايا قطار يحمل الرقم 1948، مكتوب على زجاجه المكسور: “من غزة إلى رام الله”. لا أحتاج سكة حديد ولا وقود، وتخيل أنني نسيت الآن معنى كلمة وقود.

صديق خجول وطبول صامتة

يا صديقي الخجول، هلم اقرع الطبول. يقولون إنك مشغول، تصول وتجول، وتترك المذهول والمخذول، ولا تمنح البعض تذكرة الدخول. أيعقل أنك وحدك المسؤول عن كل ذلك؟

كثيرون يكرهونك أيها الموت، أما أنا فلست منهم، لكنني في الوقت نفسه لا أحبك. ربما تكون بالنسبة لي أبسط الحلول للخروج من ألمي الذي لا ينتهي وحزني المزمن. أنت الصورة المكررة نفسها التي أراها مئات المرات في ألبوم يومي الباهت.

صور الموت في غزة

فيه طفل رضيع عرفك قبل أن يشم رائحة ثوب أمه، ومراهق يبحث عن أحلامه تحت تلال الحجارة وركام قصص البيوت المندثرة، وفتاة نسيت دميتها وخصلة من شعرها، ودقائق انتظار لعودة والدها، وشواهد طفولة وضعتها والدتها فوق خزانة ملابسها، وكهل يجر كرسيه الذي فقد إحدى عجلاته صوب خيمة فقدت عنوانها، وصبية يركضون في العراء خارج الزمان والمكان لأنهم نسوا مدرستهم وأضاعوا شهادات ميلادهم.

وأنا التي إن أغمضت عينيها رأت آخر دمعة سقطت من قبر ابنتها الصغير، وإن أغمضت الأخرى رأت فلسطين.