الرئيسية›كتاب و آراء›عندما نختار ما اختاره الجميع: بحث...
كتاب و آراء

عندما نختار ما اختاره الجميع: بحث في سطوة الخيارات الآمنة

ألفة الإجماع وخفة الموافقة

منذ أزياء الأسود في المناسبات، وصولاً إلى طبق الكبسة على مائدة الغداء، وهاتف آيفون في الجيب، وطريق قوقل مابز الأول، وعطر شانيل، وقهوة الصباح، وأغاني عبدالمجيد عبدالله في مشوار السيارة، ثم السفر إلى الوجهة الموصى بها، والنوم في الفندق الذي زكاه صديق، واقتناء المركبة التي أشاد بها قريب، والوظيفة الحكومية الممتدة حتى التقاعد، والرأي الموافق عليه بالإجماع، والصمت الذي يعفينا من شروحات مطولة. هذه أشياء متناثرة يجمعها خيط واحد: إنها خيارات آمنة لا تتطلب منا اكتشافاً أو تجربة، فحسبنا أن نتبع الأثر، السابق والآخر، حتى نصل بملل إلى ما وصل إليه الآخرون.

وهم الاختيار في قوالب جاهزة

تتخفى الخيارات الآمنة في ثوب القرار، لكنها ليست بقرار حقيقي، إذ تبدو شبيهة بالخيار دون أن تكون خياراً. لم تخترها وفق رغبتك وتفضيلاتك، بل إن الخيارات وُضعت أمامك سلفاً من قبل الأبوين، أو الأسرة، أو المحيط، أو المجتمع، أو المؤسسة، أو منصات التواصل الاجتماعي. رتبوها في قوائم مغرية تبدأ من الأكثر طلباً، والأعلى مبيعاً، والأجمل، والأفضل، وصولاً إلى الهبة، واختيارات المشاهير، والإعلانات المروجة. أهمشت هذه القوائم البدائل، فغابت المعرفة والأسباب، واستعار كل فرد اختيارات الآخرين، مستدلاً على صحة خياراته بكثرة انتشارها.

ألفة الإجماع على حساب الفردية

نألف الاختيار قبل أن نشعر بالدهشة، إذ تصلنا الخيارات مبكراً فنكون مستعدين لتصديقها دون قرار، دون غرابة، ودون اختلاف، فهذا ما وجدنا عليه آباءنا وما وجدنا عليه الناس. تمنحنا هذه الخيارات الآمنة ألفة الإجماع وخفة الموافقة، لكنها تسرق منا فرادة ذواتنا، فتجعلنا متشابهين، بلا حيرة وبلا حرية أيضاً. هكذا تعمل الخيارات الآمنة: تمنع الحرج والمساءلة، وتقتل المفاجأة والفضول، خيارات بتصويت جماعي لا تحتاج إلى إثبات صحتها لأنها تنجو من النقاش والتفاوض والاعتراض، بسيطة لا تثير الشك، ومتوقعة من الغالبية.

ماذا نعني بـ”آمنة”؟

ثم إن هذه الخيارات آمنة من ماذا؟ من الخطأ أو الفشل، من الخروج عن المألوف ومخالفة التيار، من عتب المحبين أو غضب المجتمع، من الندم، والتنمر، والوحدة، والإقصاء، من أن نتحمل وحدنا تبعات اختياراتنا. لأن الخيار الذي اختاره الجميع يبدو أقل استحقاقاً للملامة حين يخيب، فعذره جاهز معه: “كل الناس فعلوا هذا، ذهبوا إليه، اختاروه، أحبوه…”، فالكثرة تغلب وتطغى، والسابقون شهود وشواهد.

المفارقة في أماكن العمل

تعلن جهات العمل رغبتها في الابتكار، وتدفع المبدعين إلى طرح الأفكار الجديدة والفريدة والخارجة عن الصندوق، ثم تطلب منهم حين يحلقون عالياً أن يعودوا إلى الأرض، وأن يقدموا نماذج مشابهة: دراسة حالة سابقة، أو مقارنات معيارية. في هذه مفارقة تعود بنا إلى منطقة الخيار الآمن والفكرة المجربة، فكيف تكون الفكرة مبتكرة إذا كانت قد جربت من قبل بالصورة نفسها؟ فالابتكار يحتاج إلى مساحة مفتوحة للفشل والإخفاق والخطأ والمحاولات، وبين التجارب المنضبطة والعبث مسافة واسعة لا يصح أن نغلقها بقيد المعقول وإطار الضمانات.

الحرية الحقيقية: أن نختار دون قائمة

تتشابه اختياراتنا ونحن أحرار، فهل نحن أحرار حقاً؟ الحرية هي حق الاختيار المطلق لما نحب: المغامرات غير المحسوبة، الحركة في وجه السكون، والمخاطرة مع نسبة نجاح أو نجاة ضئيلة، والجنون والمجازفة والمنعطفات السريعة، أن نختار دون قائمة، وبلا خوف، بخطوات شجاعة نحو الوجهة الصحيحة أو الطريق المنحدرة. فلا بأس أن نخطئ، ونندم، ونعود، مادام الخيار خيارنا، والحكاية حكايتنا.