الرئيسية›كتاب و آراء›الظلام في ذاتنا: تأمل في رواية...
كتاب و آراء

الظلام في ذاتنا: تأمل في رواية 'أحبك، لكنني اخترت الظلام'

في إحدى حلقات بودكاست باللغة الإنجليزية، توقف كاتب هذه السطور عند عنوان لافت: “أحبك، لكنني اخترت الظلام”. في زمن اعتاد فيه الجمهور على انتصار الحب في النهايات، بدا هذا العنوان كأنه يقلب المعادلة، ويطرح سؤالاً مقلقاً: لماذا يختار أحدهم الظلام رغم الحب؟

بين النور الاجتماعي والظلام الداخلي

العنوان الأصلي هو اسم رواية للكاتبة الأمريكية كلير فاي واتكنز. لكنه تحول في ذهن كاتب هذه السطور من مجرد عنوان إلى سؤال ملح: لماذا يثير اختيار الظلام كل هذه الصدمة؟ ربما لأننا، كمجتمعات وأفراد، لم نتعلم كيف نتعامل مع الظلام في داخلنا. نحن معتادون على الحديث عن النور: التسامح، السلام، القوة، الامتنان، وتقديم “أفضل نسخة من أنفسنا”. منذ الطفولة، نتعلم كيف نظهر ما يجعلنا مقبولين، وكيف نصقل صورتنا الاجتماعية حتى تبدو متماسكة في أعين الآخرين. لكن ماذا عن الأجزاء التي لا تشبه هذه الصورة؟

تتناول واتكنز في روايتها الجانب الآخر من حياة امرأة حققت، ظاهرياً، كل ما يفترض أن يجعل الحياة مكتملة وفق معايير المجتمع: نجاح مهني، زواج، طفل. ومع ذلك، لم تكن قادرة على التكيف مع واقع لا يشبه ما تخيلته لنفسها، حتى بدأ صوت آخر يناديها بحياة مختلفة؛ حياة لا تشبه الصورة التي يفترض أن تتمسك بها. ويظل العنوان نفسه هو ما استوقفني أكثر من الرواية.

إخفاء الظلام: ثمن القبول الاجتماعي

نحن نعيش في عالم يطالبنا بأن نظهر فقط الجانب الصالح للمجتمع: أن نكون إيجابيين، متوازنين، ناجحين، مسامحين. وكلما أتقنا تقديم هذه الواجهة المثالية وتجاهلنا ما سواها، ارتفع رصيدنا في أعين الآخرين، وحصلنا على القبول الذي يمنحنا شعوراً بالألفة والانتماء. لكن الإنسان ليس صورة واحدة جامدة. في داخله غضب، غيرة، خوف، رغبات خفية لا تتوافق مع الصورة المثالية، حاجة إلى السيطرة، ورغبة عارمة في الهرب. هناك أجزاء فينا تعلمت منذ وقت مبكر أن الصمت أكثر أماناً، فنخفي ذلك الظلام ونرفض الاستماع إليه لأنه لا يحظى بالقبول نفسه الذي يحظى به الجانب المضيء؛ وكأن الإنسان خُلق من نور فقط.

اعتراف بلا استسلام: الظلام كجزء من التجربة الإنسانية

لكن الاعتراف بوجود الظلام لا يعني الاستسلام له، كما أنه لا ينقص من قيمتنا كبشر؛ بل يؤكد أنه جزء من تجربتنا الإنسانية، وأن رؤيته قد تساعدنا على اكتشاف أعماق ذواتنا وفهم الدوافع الكامنة وراء تصرفاتنا. هناك فرق شاسع بين أن أعرف ما يسكنني، وبين أن أمنحه سلطة القرار. ربما يكون المطلوب ألا نطرد الظلام، بل أن نعرفه، وأن نواجهه بالأسئلة: لماذا أشعر بهذا؟ ماذا يحاول أن يخبرني؟ وما الذي بقي طويلاً خارج الصورة التي أقدمها للعالم؟ فالجزء الذي ننكره لا يختفي بالضرورة، بل قد يعمل من خلف الستار في اختياراتنا وعلاقاتنا وردود أفعالنا، بينما نتوهم أننا نتصرف بحرية. وربما ما نخاف منه ليس ظلامنا نفسه، بقدر ما نخاف أحكام الآخرين والنبذ المجتمعي إذا ما رأوه.

كثيرة هي الفلسفات والنظريات التي تناولت ثنائية الخير والشر، والنور والظلام، لكني هنا لا أستعرض دراسات علمية أو أطروحات فلسفية؛ إنما أحاول وضع الإصبع على ما قد يغيب عنا في ظل هذا العالم المتسارع؛ العالم الذي يطالبنا دومًا بالركض خلف المثالية للحصول على نقاط إضافية في رصيدنا الاجتماعي. نحن لسنا بحاجة إلى أن نضع النور والظلام على كفتي ميزان. فالظلام ليس فضيلة نبحث عنها، لكنه جزء من التجربة الإنسانية نحتاج إلى رؤيته بوضوح حتى لا يتحول إلى قوة تعمل في الخفاء.

ظلام الآخرين: بين التعاطف والحدود

والحكاية لا تتوقف عند حدود ظلامنا الشخصي. فبما أن هذا الجانب يسكن النفس البشرية، فنحن نعيش أيضاً بين ظلال الآخرين. وإذا لم نكن على وعي كافٍ، قد نقع ضحية لظلامهم دون أن نشعر. نقضي وقتاً طويلاً في محاولة التماس الأعذار لهم؛ فنبرر غضبهم وقسوتهم وسيطرتهم بأنهم متعبون، أو خائفون، أو يحملون جرحاً قديماً. ومع الوقت، قد يتحول هذا الإفراط في الفهم والتعاطف إلى إعفاء دائم لهم من المسؤولية، فتذوب حدودنا النفسية، ويبدأ الآخر باقتيادنا إلى عالمه، وتتآكل ذواتنا تحت وطأة إيذائه. إن النضج الحقيقي يكمن هنا: يمكنني أن أفهم لماذا يؤذي شخص ما، دون أن أقبل أن يؤذيني. أستطيع أن أرى جرحه بوضوح، دون أن أسمح له بأن يجعلني جزءاً من جرحه. التعاطف لا يعني التخلي عن الحدود، كما أن الوعي بدوافع الآخرين لا يعني إسقاط المسؤولية عن سلوكياتهم.

إننا لا نحتاج إلى تجميل الواقع بقدر ما نحتاج إلى شجاعة رؤية الصورة كاملة بصدق، بما فيها الأجزاء والتفاصيل التي لا نحبها. فالنضج لا يكمن في أن نعيش بلا ظلال، فهذا مستحيل، وإنما في أن نعرفها بما يكفي حتى لا تعمل من خلف ظهورنا وتقودنا دون وعي. وفي النهاية، لسنا مطالبين بأن نختار بين النور والظلام، بقدر ما نحن مطالبون بأن نعرف: من الذي يمسك بالمقود؟