أين وضعنا الحساس؟ تأمل في كيف تشكّل القراءات الصغيرة قراراتنا الكبيرة

قراءات متفاوتة لظهيرة واحدة
في ظهيرة حارة بالرياض، كان زميلان يسيران نحو سيارتيهما تحت الشمس. سأل أحدهما عن درجة الحرارة التي يشير إليها جهاز سيارته، فأجاب “42”. نظر إلى شاشة سيارته الخاصة فظهر له “47”. عند فتح تطبيق الطقس على الهاتف ظهرت القراءة “44”. على الرغم من أن المكان والوقت متطابقان والمسافة بين السيارتين قليلة، اختلفت الأرقام: 42، 47 و44.
الفضول قادهم للبحث عن السبب. إنهم اكتشفوا أن حساس السيارة يتأثر بحرارة الأسفلت، بمكان الوقوف، بمدة التوقف وحركة الهواء المحيطة، بينما يستند تطبيق الطقس إلى شبكة رصد أوسع تغطي مناطق مختلفة. hence كل جهاز قرأ الجو من نقطة مراقبة خاصة به.
الحساسات في حياتنا اليومية
هذا المثال البسيط يفتح بابًا واسعًا على ما نسميه “حساسات” في حياتنا. لدينا عشرات من هذه الأدوات: استطلاعات الرأي، استبيانات الرضا، صناديق الشكاوى، مؤشرات الأداء، عينات البحث، تقييمات الطلاب، أرقام المبيعات، التعليقات الإلكترونية، وحتى الحديث الذي يدور في المجالس. كل واحدة منها تقدم صورة عن الواقع، لكن هذه الصورة تتغير حسب مكان القياس، ومن شمله ومن بقي خارجه.
حتى الحديث في المجالس له حساساته: كلمة واحدة يسمعها شخصان، فيفهمها الأول على أنها عفوية، بينما يقرأها الثاني كتلميح، وقد يضيف ثالث إليها نية لم ينطق بها المتكلم الأصلي. الكلمة واحدة، لكن الفهم يختلف باختلاف الحساس الذي يستقبلها.
مثال آخر: في متجر تقيس استبيان الرضا فقط من أكملوا عملية الشراء، بينما يخرج الزبائن الغاضبون قبل أن يُسألوا. النتيجة تظهر رضاًا مرتفعًا، غير أن غير الراضين قد غادروا من العينة. وفي مدرسة أو جامعة، يجيب الحاضرون عن تجربتهم، بينما تكشف المقاعد الفارغة عن آراء مختلفة لم تُسمع. سألنا من حضرنا، وفقدنا سؤال من غاب.
على الطريق، قد تظهر الكاميرا حركة مرورية انسيابية لأنها تلتقط الجزء أمامها فقط، بينما يبدأ الازدحام بعد زاويتها بأمتار. الطريق واحد، لكن الكاميرا رأت القطاع الذي أمامها فقط.
في منصة إلكترونية، تسجل الآلاف من العمليات الناجحة، بينما تتلقى قنوات الدعم بلاغات من المستخدمين الذين تعثروا قبل إتمام العملية. النظام يحسب من وصل إلى النهاية، لكنه لا يلتقط من توقف في منتصف الطريق. وفي مؤسسة، قد تظهر المؤشرات نسب إنجاز مرتفعة، بينما يواجه المستفيدون مشكلات لم تُدرج أصلًا في إطار القياس. المؤشر رأى الإنجاز، لكنه لم ير التعثر.
وتشبه وسائل التواصل الاجتماعي حساسًا ضخمًا آخر: عدد قليل من الأصوات العالية الحضور يخلق انطباعًا بأنها تمثل الجميع، بينما تبقى أصوات أخرى بعيدة عن الشاشة. فالظهور يقيس من حضر في المشهد، لا حجم من يمثله، وارتفاع الصوت يقيس شدته، لا عدد أصحابه.
من الرقم إلى القرار: أين يكمن الفجوة؟
المسألة تصبح بالغة الأهمية عندما يتحول الرقم إلى قرار. القراءة التي تنشأ من عينة محدودة، أو سؤال ضيق، أو زاوية واحدة قد تنتهي بقرار يُفرض على الجميع. هنا تتسع الفجوة بين الحساس الذي جمع البيانات من جزء محدد والقرار الذي يُطبق على الكل.
نعود إلى القراءات الثلاث: 42، 47 و44. كل منها التقط جانبًا من ظهيرة واحدة. يحدث الشيء ذاته خارج السيارة: جهة تقيس من زاوية معينة، ومستفيد يراها من زاوية أخرى، وصورة أوسع تجمع ما تفرق بينهما. بذلك تتغير علاقتنا بالأرقام؛ قبل أن نسأل ماذا يقول الرقم، يصبح السؤال كيف وصل إلينا؟ أين وضع الحساس؟ ماذا قاس؟ ومن شمل قياسه؟
بدأت الحكاية بثلاث درجات حرارة في ظهيرة واحدة، وانتهت بسؤال أكبر من الطقس: أين وضعنا الحساس؟










