عندما يبقى الألم حاضراً رغم مرور الأيام

لماذا نطلب من أنفسنا التجاوز قبل فهم الأثر؟
يقول كثيرون إن الوقت كفيل بالنسيان، لكن الواقع قد يظهر أن الأيام تمر بينما يظل الألم داخل الإنسان كما لو أن شيئا لم يتغير. أكتب هذه الكلمات بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية الموافق العاشر من أكتوبر، مستندا إلى تجربة شخصية لم أستطع بعد تجاوزها، وإلى مواقف كلما استدعتها أشعر بالضعف والتعب من جديد، وكأن الذاكرة لا تسترجع الحدث فقط بل تعيدني إلى الشعور الذي عشته آنذاك.
ما يزعجني ليس مجرد التذكر، بل الإرهاق الذي يأتي من كثرة المحاولة والرغبة في تجاوز شيء ما يزال أثره موجودا بداخلي. يطرح ذلك سؤالا صريحا: لماذا نطالب أنفسنا بالتجاوز قبل أن نفهم ما الذي تركه هذا الألم فينا؟
كيف يترك الفقد أثره في الذات والعلاقات؟
الفقد لا يقتصر على الموت؛ قد نفقد شخصا، علاقة، شعورا بالأمان، أو حتى مستقبلا بنيناه في خيالنا. ما نفقده لا يختفي دائما بانتهاء التجربة، بل قد يبقى أثره ي_shape نظرتنا لأنفسنا، ويؤثر على علاقاتنا، ويقلل قدرتنا على الشعور بالطمأنينة.
الشخص قد يواصل عمله، يضحك، ويؤدي مسؤولياته، ومع ذلك لا يعني ذلك أن ما حدث لم يعد يؤمره. أخطر ما قد يفعله الألم ليس أن يجلب البكاء بل أن يعتاد الفرد على إخفائه، ويظن أنه يجب أن يواجهه وحده.
في نقاشاتنا عن الصحة النفسية نركز كثيرا على التعافي، لكننا نتحدث قليلا عن الشعور بالذنب الذي يرافق الأسئلة التي نواجه بها أنفسنا كلما عادت ذكرى موجعة: لماذا لم أتجاوز بعد؟ لماذا يؤلمني ما حدث إلى الآن؟ ولماذا أشعر أنني عدت إلى نقطة البداية؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى أحكام أو إجابات جاهزة من نوع “تجاوز وانسَ”، بل إلى فهم أعمق للتجربة ومساحة آمنة يمكن فيها الإنسان التعبير عن ألمه دون أن يُطالَب بتبريره أو اختصار رحلته في نصيحة.
ما نحتاجه في يوم الصحة النفسية: تغيير السؤال وتوفير مساحة آمنة
ليس كل من واصل حياته قد تعافى، وليس كل من ابتسم قد تجاوز ألمه؛sometimes نتعلم كيف نؤدي أدوارنا اليومية ونمضي في مسؤولياتنا بينما يبقى في داخلنا شيء لم نعرف كيف نتعامل معه بعد. هناك فرق بين الاستمرار في الحياة والصلح الفعلي مع ما حدث لنا، وربما تكمن قسوة الفقد في أننا نضطر إلى مواصلة الحياة أمام الجميع بينما نخوض وحدنا معارك لا يراها أحد ولا يعرف أحد كم تكلفنا من القوة لنبدو على ما نحن عليه.
بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية ربما يكون من المفيد تحويل السؤال من “لماذا لم تتجاوز؟” إلى “ماذا ترك هذا الألم فيك؟” فليس كل حزن مرضا وليس كل ألم دليلا على اضطراب نفسي، لكن المعاناة التي تستمر وتؤثر في تفاصيل الحياة تستحق الاهتمام وقد تستدعي طلب المساعدة المتخصصة.
الاعتناء بالنفس لا يبدأ بإنكار الألم بل بالاعتراف بوجوده وفهم أثره. هذه رسالة من تجربة شخصية: ما زلت أحاول، وأعرف أن هناك من يعيش صراعه بصمت ويبدو بخير بينما تستنزفه الذكريات. لا أملك وعدا بأن الوقت سيُنسي كل شيء ولا أعتقد أن كل ألم ينتهي بالطريقة التي نتمناها، لكنني أؤمن بأن الإنسان يستحق أن يُفهم قبل أن يُطالَب بالتجاوز وأن يجد المساندة دون أن يضطر إلى إخفاء ضعفه.
الصحة النفسية ليست أن نبدو بخير بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بما يؤمنا والقدرة على طلب المساندة حين نحتاج إليها. ربما لا تكون المشكلة دائما في أننا لم نتجاوز بل في أننا تعلمنا كيف نخفي ما لم نستطع تجاوزه. فهل نتعافى حقا مع مرور الوقت أم نتعلّم فقط كيف نعيش مع أوجاع لم نجد لها طريقا إلى التعافي؟










