الظاهري: إعادة النظر في أدوات التفكير أساس تجديد الخطاب الديني

أكد الدكتور خليفة الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن تجديد الخطاب الديني لا يتحقق بمجرد تغيير بعض الفتاوى، بل يتطلب إعادة بناء المنظومة الفكرية برمتها. وأوضح في لقاء مع برنامج “حديث العرب” أن ما يُقدم حالياً تحت اسم التجديد هو في معظمه ترقيع لأحكام جزئية، بينما يظل العقل الفقهي القديم وأدواته ومقولاته على حالها دون مساس.
إعادة مركزية القرآن والتمييز بين المقدس والبشري
ويرى الظاهري أن الانطلاقة الحقيقية لعملية التجديد تقتضي إعادة الاعتبار للقرآن باعتباره المركز الأساسي، والتفريق الواضح بين النص المقدس وبين الاجتهادات البشرية التي تراكمت حوله عبر قرون من الزمن. وشدد على ضرورة إحياء دور العقل، والاستفادة من الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية في صياغة خطاب ديني قادر على مواكبة العصر.
التراث بين الذاكرة والسلطة
ودعا الظاهري إلى الفصل بين الدين والتراث الديني، مؤكداً أن النص المؤسس هو وحده المقدس، في حين أن تفسيرات الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين تظل نتاجاً بشرياً قابلاً للنقد والمراجعة. وحذر من مغبة تحويل التراث من “ذاكرة نستفيد منها” إلى “سلطة تتحكم بنا”، وتفرض على مجتمعات اليوم اجتهادات نشأت في ظروف تاريخية مختلفة تماماً. وأشار إلى أن المشكلة تتفاقم عندما يُنظر إلى أقوال الفقهاء على أنها حقيقة إلهية مطلقة، ويصبح نقد تفسير فقهي أو حديثي بمثابة نقد للدين نفسه.
إشكاليات الناسخ والمنسوخ ونقد المتن
وتوقف الظاهري عند قضية الناسخ والمنسوخ، معتبراً إياها من أبرز الإشكاليات في الخطاب الديني المعاصر، ومشيراً إلى توسع بعض الفقهاء والأصوليين فيها. واعترض بشكل قاطع على القول بأن ما يُعرف بـ”آية السيف” قد نسخت آيات الرحمة والتعايش، وشدد على ضرورة وضع آيات القتال في سياقها التاريخي. كما رفض فكرة وجود آية كانت في القرآن ثم اختفت مع بقاء حكمها، معتبراً أن ذلك يتعارض مع مبدأ حفظ القرآن وتواتره.
وفيما يخص الحديث النبوي، دعا الظاهري إلى عدم الاكتفاء بصحة السند لقبول الرواية بشكل مطلق، وأكد على أهمية دراسة المتن وعرضه على القرآن والأصول القطعية والعقل والحقائق العلمية الثابتة. وأوضح أن هذا التوجه لا يستهدف هدم السنة النبوية، بل يهدف إلى إعادة إحياء منهج نقدي له جذور عميقة في التراث الإسلامي. واعتبر أن قضايا العقيدة التي تتطلب اليقين لا ينبغي أن تُبنى على أخبار الآحاد التي لا تفيد إلا الظن.
العقل والفلسفة ونموذج الإمارات في التعايش
ودعا الظاهري إلى إعادة الاعتبار للعقل باعتباره أداة مستقلة للمعرفة، وليس مجرد تابع للنقل. وأكد على أهمية الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية في تطوير الحس النقدي لدى الأفراد، مما يقلل من قابليتهم للاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة. ووصف العلوم الإنسانية بأنها “سلاح مهم في مواجهة التطرف”.
وانتقد الظاهري توسع بعض الوعاظ في الحديث عن مجالات تخصصية مثل الطب والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا وعلم النفس، داعياً إلى إعادة هذه القضايا إلى أهل الاختصاص الحقيقيين.
واستشهد بتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج لتحويل قيم التعايش إلى مشروع مجتمعي، مشيراً إلى إرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي رسخ احترام كرامة الإنسان بغض النظر عن دينه أو جنسيته. واعتبر أن وجود أكثر من 200 جنسية في الإمارات يعكس إمكانية تحويل الاختلاف إلى مصدر للتنوع والتقدم، مذكراً بـ”وثيقة الأخوة الإنسانية” كخطوة رائدة لتعزيز الحوار بين الأديان.
وخلص الظاهري إلى أن تجديد الخطاب الديني يرتبط في النهاية بإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل والتراث، والتمييز الواضح بين الثابت والمتغير، بما يسمح بمواجهة تحديات العصر بأدوات فكرية تتناسب مع راهنيتنا.










