الرئيسيةكتاب و آراءاليوم الوطني 96.. من التوحيد إلى...
كتاب و آراء

اليوم الوطني 96.. من التوحيد إلى استدامة البناء والإنسان

لا تقاس عظمة الأوطان بمساحاتها الجغرافية فحسب، بل بما يبذله أبناؤها من انتماء يتحول إلى مسؤولية، ثم إلى عمل يترك أثره. في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا تقتصر المناسبة على استذكار تاريخ مضى، بل تمثل استحضاراً لمسيرة وطن بدأت بملحمة التوحيد وواصلت مسيرتها نحو بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

التوحيد.. نهاية مرحلة وانطلاقة مسيرة

عندما وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – أرجاء البلاد، وأعلن في الثالث والعشرين من سبتمبر 1932م قيام المملكة العربية السعودية، كانت الوحدة تتجاوز جمع الأقاليم تحت راية واحدة. فقد أرست اللبنات الأولى لدولة جعلت الأمن والاستقرار حجر الزاوية للبناء والتنمية. وهكذا، لم تكن الوحدة ختام مرحلة، بل كانت انطلاقة مسيرة متواصلة.

الإنسان جوهر القوة والتنمية

ومع استمرار هذه المسيرة، بقي الإنسان هو محور قوة الوطن. فالموارد الطبيعية قد تمنح الدول فرصاً، لكن القيم الراسخة والإرادة الصلبة وحسن استثمار الإمكانات هي التي تحول الفرص إلى إنجازات ملموسة. وشكلت قيم الوفاء والكرم والشجاعة والتكاتف، المتأصلة في المجتمع السعودي، رصيداً اجتماعياً عزز الهوية الوطنية وزاد القدرة على مواجهة التحولات والتحديات.

غير أن الوفاء بهذا الإرث لا يعني الاكتفاء بالاعتزاز بالماضي؛ فالقيمة الحقيقية للإرث تظهر حين يتحول إلى سلوك عملي في الحاضر واستثمار في المستقبل، من خلال إتقان العمل، وصناعة المعرفة، والمبادرة والابتكار، والمحافظة على المكتسبات. فالانتماء بأعمق معانيه يُقاس بما نضيفه إلى الوطن، وليس فقط بما نقوله عنه.

رؤية 2030.. مسارات تبدأ من الإنسان وتعود إليه

من هذا المنطلق يمكن قراءة رؤية السعودية 2030؛ فالمجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، ليست مجرد عناوين منفصلة عن الإنسان، بل هي مسارات تنطلق منه وتعود إليه. وكلما اتسعت دائرة التحول، ازدادت الحاجة إلى إنسان قادر على التعلم والإنتاج والمنافسة والمشاركة، وإلى مجتمع يحوّل المنجزات الحالية إلى مكتسبات مستدامة للأجيال القادمة.

وتزداد هذه المسؤولية بالنظر إلى المكانة التي تتبوأها المملكة؛ فهي، إلى جانب ثقلها السياسي والاقتصادي وحضورها الإقليمي والدولي، أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم من أنحاء العالم. ومن ثم، فإن أمنها واستقرارها يتجاوز الشأن الوطني ليمتد إلى بعد عربي وإسلامي أوسع، مما يجعل صون وحدتها والحفاظ على مكتسباتها والوعي بالتحديات المحيطة مسؤولية لا تنفصل عن استمرار نهضتها.

الوعي حصانة.. والعمل استمرار

ولعل الوعي اليوم يشكل أحد أهم أوجه هذه الحصانة؛ ففي عالم تعبر فيه المعلومة الحدود قبل أن يتاح التحقق منها أحياناً، لم يعد التعامل مع الشائعات والتضليل والفضاء الرقمي شأناً فردياً عابراً. فالتثبت، وحسن التلقي، والمسؤولية في النشر، كلها ممارسات تحمي الثقة العامة، وتحصّن المجتمع من محاولات التأثير في أمنه وتماسكه.

وإذا كان الوعي يحمي المنجز، فإن العمل هو الذي يوسّعه ويمنحه الاستمرار. وهنا تتكامل أدوار المواطن والمقيم؛ فكل من موقعه يسهم في احترام النظام، والمحافظة على أمن المجتمع ومقدراته، ودعم التنمية بما يقدمه من عمل وإنتاج وخبرة. وفي النهاية، لا تُقاس المشاركة بحجم الشعارات، وإنما بقيمة الأثر الذي يتركه الإنسان في المكان الذي يعيش ويعمل فيه.

وما حققته المملكة من تحولات تنموية وحضور متنامٍ يجعل المحافظة على المنجز والبناء عليه مسؤولية توازي أهمية الاحتفاء به. فالمستقبل لا تصنعه وفرة الموارد وحدها، بل يصنعه مجتمع يعرف قيمة ما تحقق، ويملك المعرفة والإرادة لمواصلة المسيرة.

ومن هنا، ربما يكون السؤال الأجدر بنا في اليوم الوطني السادس والتسعين ليس فقط: ماذا قدم لنا الوطن؟ وإنما أيضاً: ماذا سنقدم نحن للوطن؟ والإجابة لا تبدأ بالضرورة من الأعمال الكبرى، بل من موقع كل واحد منا: في إتقان عمله، وتنمية معرفته، وتحمل مسؤوليته، والإسهام بما يستطيع. فالأوطان العظيمة لا يبنيها جيل واحد، بل تبنيها أجيال متعاقبة تدرك أن ما تتسلمه من منجزات أمانة، وما تضيفه إليها مسؤولية.

فالوطن لا تحميه الحدود وحدها؛ حصانته الأعمق يصنعها إنسان واعٍ، ومجتمع متماسك، وقيم راسخة، وسواعد لا تتوقف عن البناء.

*مستشار التواصل المؤسسي – خبير المسؤولية الاجتماعية والاستدامة.
X: @ayedhaa