الرئيسية›كتاب و آراء›بكاء أديب جزائري في قاعة خالية...
كتاب و آراء

بكاء أديب جزائري في قاعة خالية يثير تساؤلات عن مستقبل الإبداع

في زمن تتباين فيه مقاييس القيمة الإنسانية بين الإبداع والثروة وعدد المتابعين، تبرز تساؤلات عميقة حول اتجاه المجتمعات: هل نسير نحو تقدم حضاري حقيقي، أم أننا نكتفي بالتقدم التقني على حساب الجانب الإنساني؟ مشهد مؤلم عاشه الأديب الجزائري حامد ياسين، الذي أجهش بالبكاء أثناء توقيع روايته الجديدة في قاعة شبه خالية، أعاد طرح هذا السؤال بقوة.

دموع الإبداع في زمن الصخب

توقف الكاتب نبيل فهد المعجل عند هذه الواقعة في تغريدة مؤثرة، واصفاً إياها بأنها تتجاوز كونها لحظة حزينة لكاتب، لتصبح دموعاً للثقافة ذاتها. يتساءل المعجل: كيف يمكن لمجتمع أن يصل إلى مرحلة يجد فيها صانع المحتوى العابر آلاف المعجبين، بينما يظل صاحب الفكر والإبداع وحيداً ينتظر قارئاً؟

لا يدّعي الكاتب أن الماضي كان مثالياً ولا أن الحاضر سيئ بالكامل، بل يؤكد أن لكل عصر فضائله وعثراته. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تختل موازين التقدير الاجتماعي، ويصبح الصخب أكثر جاذبية من المعرفة، والشهرة أهم من القيمة، والمظهر أقوى من الجوهر.

التكنولوجيا: نعمة أم نقمة على الثقافة؟

لقد منحتنا التكنولوجيا فرصاً هائلة للوصول إلى المعرفة، لكنها في الوقت نفسه خلقت اقتصاداً جديداً يتاجر بالانتباه. أصبح الإنسان محاصراً بآلاف الرسائل والصور والمقاطع التي تتنافس على وقته ومشاعره، حتى باتت القراءة المتأنية عبئاً عند البعض، والتفكير العميق ترفاً لا يجد له مكاناً في إيقاع الحياة المتسارع.

ولكن هل المشكلة تكمن في الناس أم في المؤسسات التي تشكل ذائقتهم؟ هل أخفقت الأسرة في غرس حب المعرفة؟ وهل تراجعت المدرسة عن مهمتها في بناء الإنسان المفكر؟ وهل أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الإبداع؟

قضية حضارية واقتصادية

هذه الأسئلة ليست مجرد شأن ثقافي، بل تمثل قضية حضارية واقتصادية وإنسانية تستحق أن تتبناها الجامعات ومراكز البحوث لدراسة التحولات في سلوك المجتمعات وعلاقة الأجيال بالكتاب والفنون والفكر، وتأثير الخوارزميات في تشكيل الذوق العام.

غير أن القاعة الخالية لا تعني بالضرورة مجتمعاً خالياً من الثقافة؛ فقد يكون وراء المشهد ضعف التنظيم أو التسويق أو صعوبة الوصول إلى الجمهور. ولهذا فإن الحكم على عصر كامل من حادثة واحدة يعد ظلماً آخر للحقيقة.

عودة الاعتبار للإبداع

إن نهضة الأمم لا تقاس بارتفاع أبراجها ولا بسرعة قطاراتها ولا بتطور أجهزتها وحدها، وإنما أيضاً بالمكانة التي تمنحها للمعلم والعالم والكاتب والفنان والمفكر. ويخشى الكاتب أن يأتي يوم نمتلك فيه أذكى آلات العالم بينما نفقد شغفنا بالتفكير، وأن ننجح في صناعة ذكاء اصطناعي مذهل ونعجز عن حماية الذكاء الإنساني من التهميش.

ولذلك يدعو الكاتب إلى مشروع مجتمعي يعيد الاعتبار للقراءة والإبداع، يبدأ من المدارس والجامعات، ويمتد إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية، وتشارك فيه الشركات برعاية المبدعين وفتح المنابر أمامهم.

فليس السؤال: لماذا بكى ذلك الكاتب أمام المقاعد الخالية؟ بل السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا لو جاء يوم لم يعد فيه بيننا من يكتب، أو من يشعر أصلاً أن غياب الكاتب خسارة؟ وحينها لن تكون الكارثة أن تبقى القاعات خالية من القراء، بل أن تصبح العقول نفسها قاعات خالية من الأفكار.