الحكمة في الحوار: كيف تنقذ العلاقات وتجمع القلوب بعيداً عن الصراخ

تحتاج المجتمعات والصداقات والعلاقات الإنسانية والسياسية إلى الحكمة، أو بتعبير أدق إلى أشخاص يتحلون بها. فكم من علاقة أنقذتها كلمة حكيمة وموقف عاقل؟ وكم من مودة أفسدها رأي متعصب وحوار غير متزن؟ وكم من مجلس بدأ بودّ وانتهى بخصومة لأن أحد الأطراف سعى إلى الانتصار لنفسه على حساب الحقيقة؟
الحكمة: نور يهدي العلاقات بين الأفراد والأمم
عند التعمق في مفهوم الحكمة، ندرك عظمة القرآن الكريم الذي وجهنا إلى ما يصلح حياتنا ويهذب تعاملاتنا ويحفظ كرامة الإنسان وتماسك المجتمع. تبرز في هذا السياق الآية الكريمة من سورة البقرة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). إنها منزلة عظيمة، فالحكمة تعني رجاحة العقل والبصيرة الثاقبة وإصابة الحق وحسن تقدير العواقب.
نحن بأمس الحاجة إلى الحكماء في مجالسنا وأسرنا وصداقاتنا ومناصب المسؤولية، خصوصاً عندما يتحول الحوار إلى ميدان يتنافس فيه البعض على إثبات التفوق بدلاً من الوصول إلى الحقيقة. وإذا كانت الحكمة ضرورية في العلاقات الفردية، فهي أشد إلحاحاً في إدارة شؤون الدول؛ فقرار حكيم قد يجنب أمة ويلات الصراع، بينما موقف متعجل قد يدفع شعوباً بأكملها ثمن غياب العقل الراجح.
عندما يغيب العقل الراجح: خسارة للجميع
ما يؤسف له حقاً هو أولئك الذين لا يحتملون رأياً مخالفاً لآرائهم، فيصادرون حق الآخرين في التعبير، ويرفعون أصواتهم، ويقاطعون المتحدث، وربما ينتقلون من نقد الفكرة إلى التجريح في صاحبها، وكأن الاختلاف جريمة تستوجب العقاب. والأشد إيلاماً أن بعضهم يخلط بين قوة الشخصية والتسلط، وبين الثقة بالنفس والغرور، وبين الدفاع عن الرأي والتعصب له، فلا يعترف بخطأ ولا يقبل تصحيحاً، ولا يرى في الحوار إلا منتصراً ومهزوماً. بل إن بعضهم يصل به الأمر إلى اعتبار التصرف بحكمة تنازلاً وضعفاً واستسلاماً. وهؤلاء يخسرون القلوب والتمكين أكثر مما يكسبون من المواقف، ويهدمون بكلمة متعالية ما بنته سنوات من المودة والاحترام.
أما الحكيم فلا يحتاج إلى الصراخ ليُسمع، ولا إلى إهانة الآخرين لإثبات صواب رأيه؛ لأنه يدرك أن احترام العقول لا يقل أهمية عن احترام الأشخاص، وأن الرجوع إلى الحق فضيلة وليس هزيمة. كما أن السلامة مطلب مهم. وليس كل متعلم حكيماً، ولا كل بليغ راجح الرأي؛ فكم من صاحب علم أفسدته المكابرة، وكم من بسيط التعليم رفعته الحكمة إلى منزلة رفيعة في قلوب الناس.
دروس من القرآن الكريم في الحوار الحكيم
لنتذكر أن الله تعالى أمر نبيه موسى وأخاه هارون -عليهما السلام- بمخاطبة فرعون قائلاً: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). وإذا كان اللين مأموراً به في خطاب فرعون، فكيف نبرر القسوة والتعالي في حواراتنا مع أهلنا وأصدقائنا؟
إن مجتمعاتنا لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى عقول راجحة وقلوب واسعة تدرك أن الاختلاف لا يفسد الود، وأن الاعتذار شجاعة، وأن التراجع عن الخطأ انتصار للحقيقة. ما أفقر الإنسان حين يملك لساناً يجيد الجدل لكنه يفتقد عقلاً يحسن الحكمة! وما أعظم من يغادر الناس مجلسه وقد حفظ كراماتهم وجمع قلوبهم وأصلح ذات بينهم! فالحكمة ليست أن تنتصر في كل حوار، بل أن تعرف متى يكون الانتصار الحقيقي في إنصاف الآخرين، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام.
اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً ونصراً، وزدنا بها عشقاً وفخراً وولاءً. ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً.










