الرئيسية›كتاب و آراء›السعودية: المواطن أولاً في تعديل تعريفة...
كتاب و آراء

السعودية: المواطن أولاً في تعديل تعريفة الكهرباء والمياه بدعم من الملك سلمان

في أوقات الأزمات، تظهر القوة الحقيقية للدول من خلال قدرتها على حماية مواطنيها وضمان استقرار حياتهم، وليس فقط بما تملكه من ثروات وإمكانات. هذا ما يعكسه التوجيه الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناءً على عرض ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بإقرار حزمة من الإجراءات الداعمة للمواطنين، بالتزامن مع تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه اعتباراً من 1 يناير 2027.

التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية

بينما تواجه دول كثيرة ضغوطاً اقتصادية تدفعها إلى تقليص الإنفاق وفرض المزيد من الأعباء على مواطنيها، تواصل المملكة التعامل مع متغيراتها الاقتصادية مع مراعاة احتياجات المواطنين واستقرار معيشتهم. هذا الفرق الجوهري يوضح الفارق بين دولة تملك الإمكانات وتعرف كيف تديرها، ودولة تجد نفسها عاجزة عن مساندة مجتمعها عندما تشتد الظروف.

لا يعني هذا أن المملكة بعيدة عن التأثر بالتطورات العالمية أو أنها لا تواجه تحديات اقتصادية، فالعالم بأسره يعيش متغيرات متسارعة تؤثر على أسعار الطاقة والخدمات وتكاليف المعيشة. لكن الفارق يظهر في قدرة الدولة على التعامل مع هذه المتغيرات واتخاذ قرارات تحافظ على توازن الاقتصاد وفي الوقت نفسه تخفف الأعباء عن المواطنين.

الدعم المتزامن مع التعديلات الاقتصادية

من هنا تأتي أهمية الإجراءات الداعمة التي أُعلن عنها بالتزامن مع تعديل تعرفة الكهرباء والمياه. إذ إن المواطن حين يسمع عن تغيير في رسوم الخدمات، يفكر أولاً في تأثيره على مصروفاته اليومية. لذلك، فإن وجود إجراءات مساندة إلى جانب التغييرات الاقتصادية يعكس النظر إلى الصورة كاملة، بحيث لا تكون القرارات الاقتصادية منفصلة عن حياة الناس واحتياجاتهم.

قوة الدولة لا تعني ألا تواجه تحديات، بل أن تمتلك القدرة على مواجهتها دون أن تترك مواطنيها وحدهم أمام آثارها. هذا الاستقرار الذي تعيشه المملكة لا يأتي من فراغ، بل تقف خلفه إمكانات اقتصادية وقرارات وخطط تستهدف حماية مكتسبات الوطن ومواصلة مسيرة التنمية.

المقارنة مع الوضع العالمي

بالنظر إلى ما يحدث حولنا، نجد دولاً تتحدث عن التقشف، وأخرى تطلب من مواطنيها الاستعداد لظروف استثنائية، واقتصادات تواجه صعوبات في توفير احتياجاتها الأساسية. وفي المقابل، تواصل المملكة مشاريعها التنموية وتعمل على تنويع اقتصادها وتتخذ إجراءات لدعم المواطنين. هذا لا يعني اختزال تعقيدات الأوضاع الاقتصادية العالمية، لكنه يوضح أهمية أن تكون لدى الدولة القدرة على التحرك والمساندة عند الحاجة.

الإدارة الرشيدة للثروات

أثبتت التجارب أن الاستقرار الاقتصادي لا يُقاس بحجم الثروة وحدها، بل بكيفية إدارتها وبقدرة الدولة على الموازنة بين احتياجات اليوم ومتطلبات الغد. التنمية تحتاج إلى موارد، والموارد تحتاج إلى إدارة رشيدة، والمواطن يحتاج إلى رؤية أثر هذه الجهود في حياته اليومية.

مسؤولية المحافظة على الاستقرار لا تقع على الدولة وحدها؛ فالمواطن شريك في التنمية، وترشيد الاستهلاك وحسن إدارة المصروفات والوعي بالمتغيرات الاقتصادية كلها أمور تساعد على تعزيز الاستقرار الأسري والمجتمعي. لكن يبقى دور الدولة أساسياً في وضع السياسات التي تحقق التوازن وتراعي احتياجات المواطنين، خصوصاً الفئات الأكثر تأثراً بالتغيرات المعيشية.

إن ما يستحق الانتباه في هذه الخطوة ليس مجرد الإعلان عن إجراءات داعمة، بل الرسالة التي تحملها: أن الإصلاح الاقتصادي ومساندة المواطن يمكن أن يسيرا معاً، وأن مواصلة التنمية لا تعني إغفال احتياجات الناس، كما أن مواجهة التحديات لا تعني التراجع عن بناء المستقبل.

في النهاية، قوة المملكة ليست في ثرواتها وحدها، بل في قدرتها على تحويل هذه الثروات إلى استقرار وتنمية وأمان للمواطن. الدول القوية تستطيع مواصلة طريقها مهما تغيرت الظروف، وأن تتعامل مع الأزمات بثقة، وتحافظ على تماسك مجتمعها، وتمنح مواطنيها أسباب الطمأنينة. هذه هي القيمة الحقيقية للاستقرار: أن يظل الوطن قادراً على مواصلة البناء، وأن يجد المواطن دولته حاضرة في القرارات التي تمس حياته، وأن تبقى العلاقة بين قوة الاقتصاد وراحة المواطن جزءاً أساسياً من مسيرة المملكة نحو المستقبل.