الرئيسية›كتاب و آراء›العدالة بين الحزم والإنسانية.. مراجعة ضوابط...
كتاب و آراء

العدالة بين الحزم والإنسانية.. مراجعة ضوابط التوقيف والسجن

حماية المجتمع وصون حقوقه هما أساس العدالة، ولا تبلغ العدالة كمالها إلا بالموازنة بين الحزم ومراعاة الأحوال الإنسانية. وتتأكد في هذا السياق ضرورة إعادة النظر في قواعد السجن والتوقيف، وتحديث الضوابط الناجمة عن قرار النائب العام رقم 1 لسنة 1442هـ وتعديلاته حول الجرائم الكبيرة التي تستوجب التوقيف، بهدف تقليص الآثار التي يمكن تفاديها من دون المساس بأمن المجتمع أو حقوق الضحايا.

التوقيف والسجن.. إجراء مختلف عن عقوبة

يستند هذا المقترح إلى الفصل بين التوقيف والسجن؛ فالتوقيف الواقع قبل صدور الحكم إجراء احترازي تنظمه قواعد نظامية، ولا يمثل عقوبة أو قرينة إدانة. بينما يرتبط السجن الصادر بعقوبة محكوم بها بتنفيذ الجزاء وتحقيق الإصلاح والتقويم والتأهيل. وفي كلا الحالين، ينبغي تقدير الآثار الصحية والنفسية والأسرية والتعليمية بميزان يجمع بين الضرورة وتفادي الضرر.

ويرى كاتب هذه السطور أن هذه المراجعة تبدأ من مرحلة التحقيق، عبر توفير دراسة إنسانية رسمية كلما دعت الحاجة، تُعدّ من قبل مختصين محايدين استناداً إلى تقارير طبية ونفسية واجتماعية ووثائق تعليمية. وتشمل هذه الدراسة وضع من يعولهم المتهم، والانعكاسات المحتملة للتوقيف عليهم، ومدى إمكانية استمرار العلاج والتعليم، مع التحقق من البيانات وتحديثها كلما تغيرت الظروف، وتُرفق بملف الدعوى عند إحالتها إلى المحكمة؛ كي تتوفر للقاضي صورة موثقة إلى جانب الوقائع والأدلة، من دون أن تُستخدم قرينة على الإدانة.

ويُستحسن إطلاع المتهم على إمكانية طلب هذه الدراسة باعتبارها إجراءً مقترحاً، وتوثيق اطلاعه عليها بتوقيعه، على نحو ما يُعرَّف به المتهم بحقوقه المنصوص عليها في المادة 22 من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية. ويظل الإفصاح عن هذه الدراسة طوعياً، والتوقيع عليها لا يُعتبر اعترافاً أو تنازلاً عن أي حق، مع توثيق الامتناع عنها، والحفاظ على سرية المعلومات، والسماح بمناقشتها أمام الجهة المختصة.

حالات صحية وأسرية وتعليمية تستحق تقييماً فردياً

وتأتي الحالات المرضية في مقدمة هذه الاعتبارات؛ فقد تحتاج الأمراض المزمنة والخطيرة إلى علاج منتظم، وتفاقم الضغوط النفسية واضطرابات النوم معاناة المريض. كما يستوجب من هم فوق الستين، والحوامل والمرضعات، تقييماً فردياً يراعي أوضاعهم الصحية واحتياجات الطفل، من دون أن تكون هذه الحالات مبرراً تلقائياً للإفراج.

ويمتد الأثر إلى الأسرة إذا كان الموقوف معيلها الوحيد؛ إذ قد تفقد دخلها ومن يقوم على رعاية أطفالها ومسنّيها، ويعاني الأبناء قلقاً ينعكس على شعورهم بالأمان وتحصيلهم الدراسي. وبما أن المسؤولية الجزائية ذات طابع شخصي، يجب التحقق من الإعالة عبر دراسة اجتماعية، ودراسة البدائل المشروعة التي تقلل الضرر دون تعريض المجتمع أو التحقيق للخطر.

ويستحق الطالب الجامعي اعتباراً خاصاً؛ فقد يؤدي التوقيف أو السجن إلى انقطاعه عن الدراسة وتعثر تخرجه ودخوله سوق العمل. ويُقترح التنسيق مع الجامعات لتمكينه من مواصلة التعلم وأداء الاختبارات حيثما أمكن، وتنظيم حالات التأجيل وإعادة القيد، وإيجاد معالجة للغياب الناتج عن الاحتجاز وفق الضوابط الأكاديمية، بما يحفظ مساره التعليمي ومستقبله.

أثر الدراسة في نظر الدعوى والخروج الإنساني

ويظهر أثر هذه الدراسة عند نظر الدعوى؛ إذ تمنح المادة 214 من نظام الإجراءات الجزائية المحكمة سلطة تأجيل تنفيذ الحكم لأسباب جوهرية، كما تتيح وقف تنفيذ عقوبة السجن التعزيري في الحق العام بناءً على اعتبارات من بينها السن والسوابق والظروف الشخصية وملابسات الجريمة. ويمكّن التقرير المحكمة من ممارسة سلطتها مستندة إلى معلومات موثقة، من دون أن يكون ملزماً لها بنتيجته.

وتستدعي حالات المرض الخطير أو وفاة قريب حتى الدرجة الثالثة تطوير ضوابط الخروج الإنساني المؤقت للموقوف أو السجين، لأداء الزيارة أو حضور الصلاة على المتوفى والدفن وتقديم العزاء، بموجب إذن من الجهة المختصة، ولمدة محددة، مع توفير الحراسة عند الاقتضاء؛ فالوداع لحظة لا تعوض، من دون إسقاط المسؤولية أو تجاهل المخاطر المحتملة للخروج.

مسار إلكتروني ومعايير لتسبيب القرارات

ولترجمة هذه المقترحات إلى واقع، يُقترح إنشاء مسار إلكتروني عاجل، تتولى لجان متخصصة عبرها دراسة الحالات الإنسانية، وإحالة توصياتها إلى الجهات المختصة باتخاذ القرار، مع تجديد التقارير عند الحاجة. وتبقى خطورة الجريمة، والسوابق المرتبطة بها، وسلوك المتهم الموثق وعلاقته بتقدير المخاطر، واحتمال هروبه أو تأثيره في التحقيق، وسلامة الضحايا والمجتمع، معايير حاكمة عند البت في هذه الحالات، مع اشتراط تسبيب القرارات وإمكانية مراجعتها. وإذا تعذر الإفراج، تظل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والتعليمية واجباً مستمراً.

وتتجسد روح النظام في حزم يحفظ المجتمع وحكمة تراعي أحوال الإنسان؛ فالعدالة المستقرة لا تقف عند مشروعية الإجراء، بل تسعى إلى تقليص آثاره التي يمكن تلافيها، وتحفظ الأسرة والمستقبل، وتبقي الأبواب مفتوحة أمام الإصلاح.