ظاهرة غياب طلاب المدارس يوم الخميس تتفاقم وتستوجب تدخلاً عاجلاً

لم تكن التوقعات الإيجابية التي أبداها كاتب هذا المقال في منشور سابق، بشأن تحسن انضباط الطلاب وحضورهم في يوم الخميس، سوى أمل وتطلع نحو الأفضل. لكن استمرار هذه الظاهرة في أوساط تعليمية عدة يفرض اليوم وقفة جادة لتحليل الواقع وتشخيص أسبابه واتخاذ خطوات عملية وحاسمة لمعالجته.
غياب يعطل الخطط ويثير التساؤلات
لا يقتصر الأثر السلبي لهذه المشكلة على تغيب الطلاب فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى تعطيل سير الخطط الدراسية المقررة، فضلاً عن غياب الدقة والمصداقية في تسجيل نسب الحضور والغياب في السجلات الرسمية. وباتت بعض الأسر تستسلم لضغوط أبنائها وتستجيب لرغبتهم في التخلف عن المدرسة يوم الخميس، معتمدين على ما يذكره الأبناء عن خلو هذا اليوم من الحصص الاعتيادية، وجمع الحاضرين في قاعة واحدة دون برنامج تعليمي منظم.
الظاهرة تغزو المراحل الدراسية
ومع تكرار هذه السلوكيات، تراجعت قناعة الأسر بجدوى إرسال أطفالهم إلى المدارس في ذلك اليوم، وامتدت المشكلة من المرحلة الثانوية لتشمل المتوسطة والابتدائية. ولا يعني هذا الطرح تعميم الظاهرة على جميع المدارس، إذ توجد مؤسسات تعليمية تؤدي رسالتها التربوية بأمانة واقتدار. لكن استمرار هذه الممارسات في مدارس أخرى يستدعي تحركاً سريعاً لتطويقها قبل أن تتسع وتستعصي على الحلول.
أضرار متعددة ورسالة خاطئة
لا تقتصر أضرار هذه الممارسات على فوات الحصص الدراسية والهدر المعرفي، بل تتعداها إلى ترسيخ ثقافة التهاون في الانضباط واستسهال إضاعة الوقت، وإشاعة اعتقاد بأن الالتزام بالدوام الرسمي قابل للمساومة. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الغياب سلوكاً مألوفاً ومقبولاً اجتماعياً، مما يضعف قيم المسؤولية والالتزام في نفوس الطلاب.
والأكثر إيلاماً أن هذه الفوضى تعاقب بشكل غير مباشر الطلاب الجادين والأسر الحريصة على التعليم. فالطالب الذي يحرص على الحضور ليجد بيئة خالية من التعليم النظامي، أو فصلاً يجمع الطلاب دون مسار دراسي حقيقي، قد يشعر أن انضباطه هو الخطأ وأن الغياب هو الخيار الأصوب. هذا وضع مقلوب لا يمكن القبول به، فليس من العدل أن يكون الطالب المنتظم هو الخاسر، وأن تدفع الأسر الملتزمة ثمن تقصير الآخرين.
توصيات عملية لمواجهة المشكلة
في هذا السياق، لا يمكن لأي مسؤول في القطاع التعليمي إنكار الظاهرة ما لم يثبت أنه زار ميدانياً مدرسة ثانوية يوم خميس منذ بداية العام الدراسي، وشهد طابورها الصباحي، وتحقق من انتظام الحصص ومطابقة أعداد الطلاب الفعلية للسجلات الإلكترونية. ويتطلب الموقف تسيير زيارات إشرافية عشوائية يوم الخميس، تبدأ بالمرحلة الثانوية ثم المتوسطة والابتدائية. ينبغي أن تتحقق هذه الزيارات من وجود الطلاب داخل فصولهم، ومطابقة سجلات الحضور الإلكترونية للواقع، وضمان تنفيذ الحصص وفق الجداول المعتمدة.
كما يتعين مراجعة سجلات الحضور والغياب لجميع أيام الخميس منذ بداية العام، ومقارنتها بنتائج الزيارات الميدانية لتحديد المدارس المقصرة، ثم تنفيذ زيارات تتبعية لضمان تصحيح المسار ومنع تكرار المخالفات، مع التشديد على استمرار التدريس والعطاء المعرفي مهما كان عدد الطلاب الحاضرين.
الغاية من إثارة هذه القضية هي تصويب المسار وتجويد الأداء، فالنقد المسؤول لا ينتقص من الجهود بل يكشف فجوات تستوجب المراجعة. والكاتب على ثقة بأن وزارة التعليم وإداراتها قادرة على اقتلاع الظاهرة ومعالجة أسبابها. ويأتي هذا الطرح من موقعين متكاملين: موقع الكاتب المعني بالشأن التعليمي والوطني، وموقع ولي الأمر الذي يرى في انتظام الدراسة حقاً أصيلاً لأبنائه ومسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والمؤسسة التعليمية.
في المحصلة، يجب أن يكون انتظام اليوم الدراسي واقعاً ملموساً داخل الفصول، لا مجرد أرقام ونسب حضور وهمية في الأنظمة الإلكترونية. فالطلاب الملتزمون والأسر التي أدت أمانتها يستحقون بيئة تعليمية تكافئ حرصهم، ومدارس تنهض بواجباتها، ورقابة حازمة تصون الحقوق. بناء قادة المستقبل يبدأ من مدرسة تؤمن بأن الالتزام عقيدة عمل، والتعليم أمانة، وأن السجلات يجب أن تطابق الواقع، فلا يكون الحضور الرقمي بديلاً عن الحضور الحقيقي والتعلم الفعلي.










