النسبة الموزونة في القبول الجامعي.. مقياس للاستحقاق أم بوابة للجدل؟

مع كل موسم قبول جامعي، تعود أسئلة عدالة المفاضلة بين خريجي الثانوية إلى الواجهة من جديد، وتتجه الأنظار إلى مدى دقة هذه المعايير في انتقاء الطلاب الأقدر على التفوق. ويُنظر إلى اختبارَي القدرات والتحصيلي بوصفهما أداة موحّدة تحدّ من الفروق بين المدارس وطرائق تقييمها المختلفة، غير أن السؤال الذي يشغل المهتمين يبقى: هل تتناسب الأوزان المخصصة لهذه الاختبارات مع قيمتها الفعلية في استشراف المسار الجامعي للطالب؟
يمضي الطالب سنواته الثانوية كلها في أداء مهام ومقررات واختبارات تعليمية متنوعة، لكن هذا السجل الدراسي الطويل قد يخفت صوته أمام اختبارين قصيرين، تتحول نتائجهما إلى عامل حاسم في تحديد التخصص ومصير القبول. فالإشكال لا يكمن في وجود الاختبارين ذاتهما، بل في حجم الوزن الممنوح لهما مقارنة بما يمكن أن يقدّمه الأداء الدراسي الممتد على مدى سنوات.
نضج أكاديمي غير مكتمل
يُعد خريج الثانوية في طور بناء قدراته وتحديد ميوله ونضجه العلمي؛ ومن ثم فإن تحميل هذه المرحلة المبكرة من عمره الأكاديمي معايير محدودة قد لا يلتقط كامل طاقته، خصوصاً أن إمكاناته يمكن أن تنمو بشكل لافت بعد التحاقه بالجامعة. كما أن الاتكاء المفرط على الاختبارات يفتح باب التساؤل عن تكافؤ الفرص بين المتقدمين، إذ يستطيع الذين يملكون الموارد المالية الالتحاق ببرامج تدريبية وإعدادية تمنحهم أفضلية في الاستعداد. وهنا يُطرح السؤال: هل المقياس هو الاستعداد الأكاديمي الخالص، أم أن النتائج تتأثر أيضاً بقدرة الأسرة على الإنفاق على التدريب؟
المراجعة والتجارب الدولية
لا يدعو هذا الطرح إلى إلغاء اختبار القدرات أو التحصيلي، بل إلى إعادة النظر في فلسفة القبول وأوزانها، عبر دراسات تقارن نتائج هذه المعايير بالأداء الجامعي الفعلي للطلبة، وتكشف مدى قدرتها على توقع التفوق والاستمرار والنجاح. كما يُنتظر أن تقوم الجامعات بمراجعة دورية لهذه المعايير، بالاستناد إلى نتائج طلابها ومؤشرات نجاحهم.
وتُظهر التجارب الدولية نماذج متعددة تمزج بين مخرجات التعليم العام والاختبارات المعيارية والمسارات التأسيسية، ويمكن الإفادة منها في تصميم منظومة قبول أكثر مرونة، تتيح للطالب فرصة إثبات قدراته داخل الجامعة، بدلاً من أن يُحسم مستقبله الأكاديمي بالكامل قبل دخولها.
السنة التحضيرية والفرصة العادلة
في هذا السياق، تكتسب السنة التحضيرية حيثما وُجدت أهمية خاصة، إذ يمكن إعادة تشكيل دورها لتصبح مرحلة استكشاف للقدرات وتوجيه للمسارات. والأجدر ألا تتحول النسبة الموزونة إلى عبء يطارد الطالب؛ فإذا أثبت تفوقه في الجامعة، فمن البديهي أن يُعتمد أداؤه الفعلي بوصفه المرجع الأساس في تحديد تخصصه أو الانتقال إليه، بما يتوافق مع متطلبات البرامج وطاقتها الاستيعابية.
إن تعديل معايير القبول لا يعني التنازل عن متطلبات الجودة، بل هو إجراء يزيدها دقة وإنصافاً، ويُعد استثماراً في رأس المال البشري. فالجامعة ينبغي ألا تُختزل إلى معبر للمفاضلة بين الأرقام، بل هي فضاء لرصد القدرات وصقلها.
ويظل السؤال مطروحاً أمام الجامعات وصنّاع القرار: هل المطلوب منظومة تنتقي الطالب بناءً على ما أنجزه قبل الجامعة فحسب، أم منظومة تتيح له كذلك فرصة عادلة لإثبات قدرته على الإنجاز داخلها؟ فالنسبة الموزونة يجب أن تظل مدخلاً إلى الفرصة، لا قراراً باتاً يحدد مصير الطالب.










