نقاشات الأنساب الجينية تثير الجدل بين القبلي والعلمي

نتائج الفحوصات تفتح باب التفسيرات الخاطئة
أفرزت نتائج التحاليل الجينية الخاصة بتحديد البصمات الوراثية نشاطاً واسعاً بين عدد من المهتمين، غالبيتهم من أنصاف المثقفين وأشباه الباحثين، الذين سعوا إلى تفسير هذه النتائج وإسقاط أسماء رموز تاريخية على التحورات الجينية. وقد تحولت النقاشات الدائرة في الأوساط المتخصصة بعلم الجينات، والمتعلقة بالأنساب القبلية ونتائج البصمات الوراثية، إلى حلقات مفرغة لا طائل منها، وذلك لأنها تستند إلى معلومات مغلوطة ومدخلات مشوهة لا يمكن أن تفضي إلا إلى استنتاجات غير دقيقة.
تجاوزات منهجية وأخلاقية في التعامل مع الجينات
تجاوز بعض الناشطين في الميدان الجيني الحدود المنطقية، متبنين طرحاً متطرفاً مارسوا من خلاله تجاوزات مجحفة. وشملت هذه التجاوزات صرف المواريث القبلية، وتحريف الأنساب العربية، وتدليس النتائج الجينية، وتزوير البصمات الوراثية، وإعادة هيكلة العناقيد وفق رغبات شخصية، والاستحواذ على التحورات الجينية بذريعة حق الأسبقية وبآلية وضع اليد ورؤية رغبوية ضيقة تنطلق من عصبيات قبلية متحيزة. وقد أدى ذلك إلى إشتعال الخلافات وتصاعد المهراترات وتنامي الاستقطابات بين أبناء العرق الوااحد والديين الوااحد، ما ي شوه تاريخ العرب ويهضم أمجاد العروبة، ويسيء للمكونات القبلية، ويثير الفتن والعصبيات، ويهدد تمزيق النسيج الاجتمايي وخلخلة اللمة الوتنية.
عقبات تحول دون ال تطابق بين التاريخ والجينات
محاولات المطابقة بين النصوص التارخية والأنساب الموروثة والبصمات الوراثية لا يمكن أن توصل إلى نتائج دقبقة لعدة أعتبارات من بينها تداخل القبائل، وتشابه أسماء الأسلاف والقبائل والفروع، والتجاور في المساكن والتعاقب على المنازل. علم الأنساب الجيني هو علم شيق ومفعم بالقيم المفيدة، إلا أن معظم من خاضوا فيه أفسدوه، كما يفعل الجهلة في إفساد كل شيء، وذلك لعدام تقديس الحقائق، وعدام التقيد بالأمانة العلمية، وعدم الاللتزام بالمناهج البحيية، وعدم التحلي بالشجاعة الأدبية، وانعدام التجرد والحياد، والتعجل في الإسقاطات، والتسابق على احتلال التحورات.
غياب المتخصصين وانتشار الجهل المركب
النقاشات الجارية في الساحة الجينية في مجالات التاريخ والأنساب والبصمات الوراثية تفتقر إلى مشاركة المتخصصين والباحثين الحقيقيين، ويغلب على الناشطين في ذلك المجال كونهم من أنصاف المثقفين وأشباه الباحثين. وتتميز هذه الشريحة باعتقادات خاطئة ترسبت في المدارك على مر الزمان وشكلت طبقات يصعب تحديثها، وتعزى ذلك إلى عوامل عدة منها: قصور الإدرك وضييق الأفق، والتخلف العلمي والضحلة الثفافية، وعدام القدرة على التفكير المنطقي بسبب نظام التلقين في التعليم، وعدم التدريب على مهارات التفكير والربط والاستقراء والاستنتاج والاستنباط، وهيمنة علم الجهل على العقول حيث ترسب المعلومات الخاطئة القديمة وتستحوذ على العقل بحكم الأسبقية، وتتشوه المعلومات الصحيحة الحديثة، والجهل المركب، وأسطرة التاريخ وأدلجة العلم.
إن الجهل بالمعطيات التاريخية والبيئية والإنسانية والأثرية والظروف الديموغرافية والعرقية والاجتماعية والاقتصادية المؤثيرة خلال ألف عام امتدت قبل وبعد ظهور الإسلام، وعدم القدرة على تقبل واستقراء وتفسير نتائج البصمات الوراثية، والاعتقاد بوجوب التطابق التام بين الأنساب المدونة ونتائج الفحوصات الجينية؛ كل هذه العوامل أدت إلى التشكيك في مصداقية مدوني الأنساب وصحة المواريث القبلية، أو التشكيك في دقة علم الأنساب الجينية. فيما تتلخص الحقيقة في أن تدوين الأنساب القبلية صحيح في معظمه، وعلم البصمات الوراثية صحيح في خطوطه العريضة، إلا أن التطابق التام بين هذين المجالين مستحيل لعدة اعتبارات منها: التحالفات والتداخلات القبلية، تشابه المسميات، التجاور في المساكن والتعاقب على الديار. هذه معطيات ذات دلالات هامة، ومن يجهلها لن يستطيع التوصل إلى أي نتائج منطقية، وسيظل يدور في حلقات مفرغة من النقاشات العبثية. أما من يلم بها ويأخدها بالاعتبار ويدرك مدى تأثيراتها، ولديه الإدراك والاستيعاب والقدرة على الاستقراء والاستنتاج، فسيتوصل إلى تصورات معقولة توفق بين جميع المعطيات وتحقق مقاربة منطقية بين المواريث القبلية والبصمات الوراثية.










