الرئيسية›محليات›الإعلام الصحي: درع أمام طوفان الإنفوديميك
محليات

الإعلام الصحي: درع أمام طوفان الإنفوديميك

في عصرٍ أصبحت فيه الشائعات تسبق الحقائق في الطواف حول العال، تواجه المجتمعات تحدياً لا يقل خطورة عن الفيروسات، يعرف في أدبيات الأزمات بـ الإنفوديميك أو الوباء المعلوماتي. هذا الطوفان الجارف من البيانات الدقيقة والمضللة، الذي يرافق الأزمات الصحية، يشبه الفيروسات في انتشاره، كما وصفه الباحث ديفيد روثكوف عام 2003. وقد برز هذا المصطلح بقوة بعد استخدمه من قبل منظمة الصحة العاليمة خلال جائحة كورونا، وأعيد إحياؤه نتيجة التدفق الهائل للمعلومات الصحية المغلوطة، وفقاً لتعريف هافارد بزنس ريفيو.

الإنفوديميك: إبرة في كومة قش

هذا الوضع يجعل الوصول إلى المعلومة الآمنة أمراً أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. ومن هنا، يتسلح الإعلام الصحي ليكون خط الدفاع الأول وحائط الصد المنيع أمام الفوضى الرقمية. يطرح السؤال نفسه: هل بات الإعلام الصحي مجرد رفاهية إعلامية يمكن الاستغناء عنها، أم ضرورة حتمية للأمن القومي والمجتمعي؟

المحقق الصحي في عاصفة الشائعات

في قلب العواصف الصحية، تغرق منصات التواصل الاجتماعي بنصائح عابرة ووصفات وهمية تفتقر إلى أدنى سند علمي. هنا لا يعمل الإعلامي كناقل تقليدي، بل يرتدي رداء المحقق الصحي لفلترة البيانات وتفنيد الأكاذيب بأسلوب دقيق ومبسط، فيقطع دابر الهلع والندفاع نحو ممارسات كارثية، مانعاً ترك العقول رهينة للخرافة.

المعلومات الطبية والأبحاث عادة ما تكون حبيسة الأدراج الأكاديمية بمصطلحات جافة. وهنا تبرز عبقرية تبسيط العلوم (Science Communication) في ترجمة تلك التعقيدات إلى رسائل مجتمعية سهلة الاستيعاب لجميع فئات المجتمع، مع الحفاظ على جوهر المحتوى العلمي، لضمان وصول الرسالة الوقائية لكافة أفراد المجتمع.

النموذج السعودي: الشفافية كدرع

تُعرف الأزمات بقدرتها على هدم الثقة ونشر الرعب. وهنا يبرز النموذج السعودي الفريد؛ حيث أثبتت التجربة الوطنية -خلال جائحة كورونا وما بعدها- أن الشفافية والاستباق الإعلامي هما كلمة السر. فقد حرصت المملكة على قطع الطريق على الشائعات عبر منصات رسمية ومؤتمرات دورية، مما أعاد مد جسور الثقة، وجعل المجتمع أكثر وعياً واستجابة للتدابير الوقائية.

ولا يمكن فصل نجاح المنظومة عن الحس الصحفي والوعي المجتمعي للشارع السعودي؛ فالمواطن والمقيم يمتلكون حاسة خامسة رقمية ترفض التضليل وتبادر بالتحقق قبل النشر. هذا الوعي شكّل درعاً إضافياً، حيث تحولت الحسابات الشخصية والمنصات الوطنية إلى رديف للإعلام الرسمي في دحر الشائعات.

دور لا يقف عند الإخبار

لا يتوقف الدور عند نقل الخبر، بل يمتتد إلى التوعية المجتمعة وترويض السلوكيات نحو الأفضل، مثل ترسيخ الالتزام بالتعليمات وتبني نمط حياة صحي لمنع تفشي الأمراض والسيطرة عليها.

كما تلعب تقنيات الرصد الرقمي أو الاستماع لوسائل التواصل الرقميه الاجتماعية (Social Listening) دوراً أساسياً في استشراف ورصد المخاطر والتنبؤ بالشائعات في مهدها لحماية الأمن الصحي المجتمعي.

وعلىه، لم يعد الإعلام الصحي مساحة عابرة في صفحات الصحافة والمجلات والمواقع الإخبارية، بل بات ثالث الأثافي في الرعاية الصحية والوقائية؛ فهو صون للعقول قبل الأبدان.

*مختصة في الإعلام الصحي والمسؤولية المجتمعية