القلب الأخضر: قصة العطاء الذي لا يشيخ

يُقال عن المسن الذي لا تزال فيه حيوية الصبا: “قلبه أخضر”. وتُستخدم هذه العبارة غالباً في المزاح إذا بقي فيه ميل للغرام أو الزواج، ولكننا ربما أخطأنا بحصر معناها في العواطف وحدها، فالخضرة أوسع نطاقاً. فالأرض تخضر بعد اصفرارها، والغصن تورق أوراقه من جديد. فماذا لو كانت الخضرة في الإنسان تتجاوز قلبه؟ عقل حاضر، وفكرة متجددة، وخبرة ناضجة، وعطاء لا يزال يورق ويُثمر.
الخبرة التي تخرج من الباب
رجل بلغ سن التقاعد، وانتهت وظيفته في ذلك المساء، فخرجت معه خبراته من الباب. في رأسه تفاصيل لا تحفظها الملفات، فهو يعرف أين تتعثر المعاملة، وأين يبدأ الخطأ، وكيف تختصر أيام في دقائق. أشياء لا تُعلمها دورة تدريبية، وأخرى دفع ثمنها من عمره، وثالثة صقلها التكرار حتى أصبحت أشبه بحاسة سادسة.
وبعد التقاعد ربما يبدأ فصل آخر، فالوقت الذي كان موزعاً بين الحضور والاجتماعات والمواعيد عاد إلى صاحبه. علاقات تتجدد، ورحلات كانت مؤجلة، فكرة تجد فرصتها، كتاب ينتظر أن يُكتب، مشروع صغير يبدأ فيكبر، وخبرة تُنقل إلى جيل جديد. ثم يكتشف الإنسان أن بعض أجمل ما لديه لم يبدأ بعد.
اقرأ أيضاً: قصة نجاح رجل الأعمال الشاب عبدالعزيز الخليف الذي جمع بين ريادة الصناعة والسياحة والتنمية الزراعية والعقارية
الجد: المحور الذي لا يغيب
وللخضرة صورة أخرى نراها كل أسبوع في بيوتنا. جد تجاوز الثمانين، لكنه ما زال المحور الذي تدور حوله العائلة. الجمعة في بيته، والأعياد عنده، والأبناء يعودون من أجله، والأحفاد يعرف بعضهم بعضاً لأن هناك بيتاً ما زال يجمعهم. يجلس في مكانه المعتاد، والأبناء حوله، والأحفاد يملؤون البيت، والقهوة تدور، والأصوات تتداخل. صغير يتعرف إلى قريب، وخلاف ينتهي، وغائب يسأل عنه الجميع، وقلوب تقترب.
يبدو أنه يجلس فقط، وهو في الحقيقة يمسك أطراف العائلة.
اقرأ أيضاً: جبر الخواطر.. كلمة رقيقة قد تُعيد إلى قلب متعب أمله
المرأة الكبيرة: ذاكرة العائلة
وفي بيت آخر، امرأة كبيرة تحمل خريطة العائلة في رأسها. تعرف من مرض، ومن تخاصم، ومن يحتاج إلى سؤال. تحفظ الأسماء والصلات والقصص، وتصل خيطاً كاد ينقطع. كأن جزءاً من ذاكرة العائلة يسكن فيها.
ثم يرحل الجد، فيبقى البيت، ويبقى المجلس، وتبقى دلة القهوة. لكن المقاعد تبدأ بالفراغ. هذا يعتذر، وذاك ينشغل، وثالث يسافر، ورابع ينعزل، وأسوأهم من يقطع صلته. وبعد سنوات يلتقي بعض الأحفاد مصادفة في مناسبة، وقد كبروا حتى يكاد أحدهم يسأل الآخر عن اسمه.
اقرأ أيضاً: سلطان عُمان يبدأ زيارة دولة إلى بروناي تستمر ثلاثة أيام بعد محطة بكين
عندها نفهم ما كان يصنعه ذلك الرجل في صدر المجلس، وما كانت تصنعه تلك المرأة الكبيرة بصمت. كانا يجمعان، ويصلحان، ويسندان. وكالشجرة، يكبر عمرها، ويغلظ جذعها، وتكثر فروعها، ويثقل حملها، ويتسع ظلها.
من سيوسع الظل بعدهم؟
وهنا يأتي السؤال إلى من بقي: من سيوسع ظله بعدهما؟ من سيعيد الجمعة؟ من سيصل ما انقطع؟ من سيطرق باب الغائب، ويقرب المختلفين؟ فالبيوت وحدها لا تجمع العائلات. ولعل أجمل وفاء للكبار أن يلتقط الجيل من بعدهم الخيط من حيث تركوه، ويجمع أطراف العائلة من جديد.
وحين يقولون: “قلبه خضر”، ربما ضيقنا الخضرة حين حصرناها في القلب. فليس كل ما يشيب يشيخ. وقد يرحل صاحب الظل، ويبقى على من بعده أن يسقي ما بقي، ويزرع شجرة أخرى. فالعمر يخبرنا كم مضى من الطريق، والخضرة تخبرنا كم بقي في الإنسان من حياة، وكم يستطيع أن يزرع منها فيمن بعده.
المزيد في قسم كتاب و آراء










