بين الرضا والمقارنة: هل تحوّل التجميل إلى هوس يمحو خصوصية ملامحنا؟

هل بلغ بنا الأمر حدّ الشعور بالحرج من الوجه الطبيعي الذي نراه في المرآة؟ قبل أعوام عدة، كان اللجوء إلى جراحات التجميل يقتصر في الأغلب على إصلاح خلل، أو تحسين هيئة، أو معالجة مشكلة تنعكس على شكل الإنسان. أما المشهد اليوم فقد تبدّل بدوره كثيراً، وصار الإقبال على هذه العمليات في تصاعد مستمر، حتى إن بعض الناس لم يعد يكتفي بإجراء واحد، بل ينتقل من عملية إلى أخرى، وكأن ملامحه مشروع مفتوح لا يعرف نهاية.
لا يدور الحديث هنا حول حق الإنسان في أن يحسّن هيئته أو أن يخضع لعملية تجميل، فذلك شأن فردي، ولكل شخص حرية القرار فيما يتصل بمظهره. لكن الذي يستحق التوقف هو هذا الانتشار الواسع، والمبالغة في تغيير الملامح في بعض الحالات، حتى صار السؤال المطروح: هل نسعى إلى الجمال حقاً، أم أننا لم نعد راضين عن أشكالنا التي وُلدنا بها؟
اقرأ أيضاً: ثلاث أمنيات في مجلس واحد: حكاية من تمنّى الزواج بزوجة ابن تاشفين
قالب واحد للجمال
ولعل أكثر ما يسترعي الانتباه في الوقت الراهن أن وجوهاً كثيرة بدأت تتشابه: الأنف يكاد يكون واحداً، والشفاه بالحجم ذاته، والفك مرسوم على النمط نفسه، والخدود بارزة بالطريقة نفسها. وكأن الجمال صار له قالب جاهز ينبغي على الجميع محاولة الوصول إليه، مع أن قيمة الإنسان الجمالية تقوم في الأصل على تفرّد ملامحه وتفاصيل وجهه.
اقرأ أيضاً: مشروع نجران للطاقة الشمسية.. ألا يستحق حضورًا إعلاميًا رغم تحقيقه ثاني أقل تكلفة عالميًا!!!
الشاشات وصناعة المقارنة
وهنا يظهر أثر منصات التواصل الاجتماعي، وقد أصبحت ركناً أساسياً في حياتنا اليومية، وأسهمت في تحويل الطريقة التي نرى بها أنفسنا ونرى الآخرين. فالمستخدم يتعرض كل يوم لصور ومقاطع يظهر أصحابها بإضاءة مثالية وفلاتر وتعديلات قد تطال الملامح، ومع تكرار المقارنة قد تنشأ عند بعضهم رغبة في تحسين تفاصيل لم تكن تشكل مصدر إزعاج لهم من قبل.
ويتعاظم هذا الأثر بحضور المشاهير والمؤثرين، الذين صار لبعضهم نفوذ واسع في نشر هذه الثقافة. فمنهم من يروّج لعمليات التجميل وللعيادات، ويعرض النتائج وكأنها تجارب سهلة ومضمونة، من دون أن يتناول بما يكفي مخاطرها ومضاعفاتها. وقد يدفع هذا المحتوى بعض المتابعين إلى تقليدهم، وإلى الشعور بأن ملامحهم تحتاج إلى تعديل حتى يكونوا أجمل وأكثر قبولاً عند الآخرين.
اقرأ أيضاً: المشهد الإعلامي في 2026: هيمنة التفاهة وتهميش صوت المبدعين
والأمر لا يقف عند تأثير المشاهير، بل يمتد إلى طريقة عمل المنصات ذاتها؛ فالمحتوى الذي يثير الفضول ويجمع المشاهدات ينتشر سريعاً، وصور التحول قبل التجميل وبعده من أكثر المواد جذباً للانتباه. ومع تكرر ظهورها، قد يتشكل لدى المستخدم انطباع بأن الجميع مقبلون على التجميل، وأن تغيير الملامح صار أمراً عادياً لا يستدعي تفكيراً طويلاً.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد التجاري، فهناك سوق واسعة تستفيد من شعور الإنسان بعدم الرضا عن هيئته. وبدلاً من أن تكون الرسالة دعوة إلى تقبّل الملامح والرضا بها، نجد نشاطاً إعلانياً وتسويقياً مصاحباً، ومنافسة شديدة بين العيادات في طرح العروض والخصومات.
والأكثر إثارة للقلق أن هذا التأثير لم يعد محصوراً بالكبار، فقد صرنا نلحظ اهتماماً بالتجميل في أعمار صغيرة، وهو ما يفتح نقاشاً حول ما يشاهده الشباب والفتيات يومياً، ومدى قدرتهم على التمييز بين الجمال الطبيعي والصور التي تصنعها الفلاتر والإعلانات.
الصورة ليست واحدة دائماً
وفي المقابل، من المهم النظر إلى عمليات التجميل بموضوعية؛ فليست كلها مرتبطة بالمبالغة أو باتباع الموضة، إذ إن بعضها يعالج مشكلات صحية أو تشوهات أو آثار حوادث، وبعضها الآخر يأتي تلبيةً لرغبة شخصية مدروسة في تحسين المظهر. ولكل إنسان الحق في اتخاذ القرار الذي يناسبه، ما دام مدركاً لطبيعة الإجراء ومخاطره، ومستنداً إلى استشارة طبية متخصصة. ولذلك لا ينبغي أن نفرض على الآخرين شكلاً محدداً للجمال، أو أن نحكم على خياراتهم في تحسين مظهرهم، لكن من الأهمية بمكان أن نتوقف عند ثقافة المقارنة التي قد تجعل الإنسان غير راضٍ عن ملامحه، وتدفعه إلى التفكير في تغييرها لمجرد تأثره بصورة رآها.
فهل نخضع لعمليات التجميل لأننا نريد أن نكون أجمل، أم لأننا لم نعد قادرين على رؤية الجمال في ملامحنا كما هي؟ ربما لا تكمن المشكلة في هذه العمليات بذاتها، بل في أننا بدأنا نقتنع بأننا بحاجة إلى تغيير وجوهنا كي ننال قبول الآخرين، والأسوأ من ذلك أن تتحول ملامحنا الطبيعية من مصدر تميّز إلى شيء نسعى إلى التخلص منه.
المزيد في قسم كتاب و آراء










