الاجترار العقلي: حين يتحول التفكير إلى فخ يستنزف صاحبه

الحكمة لا تصنعها كثرة التفكير بالضرورة؛ فبعض التفكير يفتح للفرد باب الفهم ويمنحه القدرة على اتخاذ القرار، في حين يوجد نمط آخر يستنزف روحه ويحبسه داخل أحداث مضت ومواقف لم تعد قابلة للتغيير. هذا النمط يُعرف بالاجترار العقلي، وهو دوران متواصل حول الأفكار والمواقف والمشاعر ذاتها، من دون أن يفضي إلى نتيجة حقيقية أو حل ملموس.
دائرة مغلقة تعيد بناء التفاصيل
وتظهر خطورة هذه المشكلة في أن صاحبها لا يكتفي باستدعاء الموقف، بل يعيد تركيب تفاصيله في ذهنه مرارًا وتكرارًا، ويسأل نفسه عمّا كان ينبغي أن يقوله أو يفعله، ويفتش عن تفسير لكل كلمة وكل تصرف. وبمرور الوقت يتحول التفكير من أداة للفهم إلى حمل نفسي يلتهم الحاضر ويثقل المستقبل، فينشغل العقل بما جرى أكثر من انشغاله بما يمكن إنجازه الآن.
أسباب متشابكة: الخوف والكمال والسيطرة
وتتعدد دوافع الاجترار العقلي؛ فهناك الخوف من تكرار الأخطاء، والرغبة المفرطة في الإمساك بالنتائج، وعدم تقبل القرارات السابقة، والرهبة من المجهول. وقد يتصل الأمر أيضًا بالحاجة إلى الكمال، أو بصعوبة التعبير عن المشاعر، أو بخوض تجارب خلفت أسئلة معلقة بلا إجابات. وفي بعض الأحيان يتوهم الفرد أن تكرار التفكير سيمنحه سيطرة، فيما هو في الحقيقة يعيد إنتاج القلق نفسه.
كيف يخرج الفرد من الحلقة؟
ولعل تجاوز هذه الحالة يبدأ بالوعي بالفارق بين تفكير ينتهي إلى قرار، واجترار يعيد الأسئلة ذاتها من دون تقدم. ويحتاج الفرد إلى أن يتقبل أن الماضي لا يمكن تعديله، وأن ليس كل سؤال يستحق إجابة، وليس كل موقف يحتاج إلى تحليل. ومن المفيد تخصيص وقت قصير للتفكير والكتابة، ثم تحويل الانتباه إلى نشاط واقعي، وممارسة الرياضة، وتنظيم النوم، وتعلم تقنيات الاسترخاء واليقظة الذهنية. أما إذا صار الاجترار مستمرًا وطال تأثيره على الحياة اليومية وجودتها، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الفرد.
قوة العقل في معرفة متى يتوقف
وبلا شك أن قوة العقل لا تُقاس بقدرته على استحضار كل التفاصيل، بل بمعرفته متى يتوقف عن الدوران في دائرة مغلقة؛ فالنضج النفسي لا يعني العثور على تفسير لكل ما حدث، بل التصالح مع بعض الأسئلة التي لن نجد لها إجابة، وإعطاء الحاضر حقه في الحياة. فالعقل خُلق ليكون أداة محفزة على التقدم والتطور والنمو، وهذا التطور والنماء يتحقق باستمرارية الفرد وحرصه على تحقيق أهدافه وتجاوز التحديات، لا بتوقفه عند نقطة واحدة.










