ثلاث أمنيات في مجلس واحد: حكاية من تمنّى الزواج بزوجة ابن تاشفين

يروي ابن الأثير أن ثلاثة رجال التقوا في حوادث سنة 500 للهجرة، فدعا أحدهم رفيقيه إلى أن يصرّح كل واحد منهما بالأمنية التي يحملها في نفسه.
أمنيات ثلاثة في مجلس واحد
قال الأول إنه يطمح إلى أن يرزقه الله ألف دينار، يوسّع بها على نفسه وأهله ويتباهى بها بين الناس؛ وكان من يملك هذا المبلغ يُقال له «ألفي»، وهو ما يقابل اليوم قولنا إن فلاناً مليونير. أما الثاني فتمنى أن يُولّى إحدى مقاطعات المغرب. وصرّح الثالث بأمنيته هو أن يتزوج زوجة الأمير يوسف بن تاشفين.
ولم يذهب ذلك المجلس سدى؛ فإما أن أحد الحاضرين أبلغ الأمير ابن تاشفين بما دار فيه، وإما أن الزوجة استشاطت غيظاً فأوصلت الخبر إليه، وإما أن للأمير عيوناً تتابع ما يجري في كل مكان.
استدعاء واعتراف وجزاء
استدعى ابن تاشفين الرجال الثلاثة، فلما مثلوا بين يديه قرّرهم فأقرّوا بما قالوه. فقال للأول: «خذ هذه الألف دينار لتعيش بها». وقال للثاني: «وأنت قد وليتك ولاية كذا فاذهب إليها». أما الثالث فاستبقاه عنده، وبعد أن خرج رفيقاه من المجلس قال له الأمير: «يا جاهل ما حملك على أن تتمنى ما لا تصل إليه». فأجاب: هوى النفس فسامحني. فقال: «بل زوجتي هي التي تحكم عليك». ثم أرسله إلى زوجته مع من يعلمها بخبره.
خيمة منفردة وحصى للعدّ
ولما وصل المتمني إليها نصبت له خيمة منفردة لا يدخلها عليه أحد، وعلى بابها حارس، ولم يكن فيها سوى وسادة ومرتبة ينام عليها وبطانية يلتحف بها إذا أحسّ بالبرد. وكان في أحد أركانها شيء من الحصى ففرح به.
وبعد أن مضت ليلة أخذ حصاة ووضعها في الركن المقابل من الخيمة، ليعرف بها عدد الليالي التي سيبقى فيها موقوفاً؛ إذ كان الانتظار أقسى ما في القصة، فهو لا يدري متى سيُفرج عنه، ولا كيف ستكون النهاية مع هذه السيدة. وقد منعت أن يكلّمه أحد.
وكانت ترسل إليه طعامه من لون واحد؛ فإن كان لحماً ففي الصباح والظهيرة والمساء، وإن كان عدساً فكذلك. وكان يتعجب من اختيار طعام واحد، ثم لمع في صدره خاطر التفاؤل: هذا فأل حسن، لعلها تريد أن تزوّجني أختها.
وبعد ثلاثة أيام وثلاث حصيات في ركن الخيمة أحضرته وسألته: ماذا كان طعامك في هذه الأيام الماضية؟ فقال: طعاماً واحداً. فقالت له: «اعلم أن كل النساء شيء واحد». ثم أمرت له بمال يكفيه وكسوة، وأطلقت سراحه.
المصدر واسم غائب
المصدر الذي نُقلت منه أصل القصة، لا تفاصيلها، هو «تاريخ الإسلام السياسي والثقافي والديني» للدكتور حسن إبراهيم حسن، الصادر عن دار الجيل في بيروت، بالاشتراك مع مكتبة النهضة المصرية في القاهرة. وللأسف لم يذكر هذا المصدر اسم السيدة الحكيمة التي يحق للأمير ابن تاشفين أن يعتز بها. وقد صدق من قال: «إن وراء كل رجل عظيم امرأة».










