الرئيسية›كتاب و آراء›ستة وأربعون عاماً من الافتتان بإيطاليا:...
كتاب و آراء

ستة وأربعون عاماً من الافتتان بإيطاليا: من تدريب المطارات إلى أمسية جدة

كانت اتفاقية روما أول مفتاح انفتح أمامي به باب واسع على تاريخ إيطاليا الحديث؛ فهي الاتفاقية التي انبثق عنها مشروع السوق الأوروبية المشتركة، قبل أن يتبلور هذا المشروع في صورة الاتحاد الأوروبي الذي جعل من بروكسل عاصمة له بعد ذلك.

تفاهم صامت أنقذ روما من ويلات القصف

وما لبث أن استحوذ على إعجابي، بل أخذ بمجامع دهشتي، ذلك التواطؤ النبيل غير المعلن بين قوات المحور والحلفاء لتجنيب مدينة روما ويلات القصف إبان الحرب العالمية الثانية، إكباراً لتاريخها وحفاظاً على آثارها الخالدة. ومن هنا تعمّق شغفي بمعرفة المزيد عن هذا البلد الذي شاء الله أن أعمل فيه ردحاً قصيراً متدرباً في مطار فيوميتشينو في روما، وفي ميلانو التي علمت أنها تحتضن مطارين: مالبينسا لحركة المسافرين، وليناتي المخصص للشحن.

اقرأ أيضاً: القوات الخاصة للأمن البيئي تضبط مخالفًا لصيد الكائنات الفطرية في المدينة المنورة

أسرة ومعهد لغة في مستهل التدريب

جرى ذلك في مستهل برنامج إعداد مديري الفروع في أوائل عام 1980، حين انتقلت مع أسرتي إلى إيطاليا وأنا أحدو ببشائر خير واستبشار، ويملؤني حماس متقد. وقد بلغ بي هذا الحماس أن بادرت أنا وزوجتي، منذ وصولنا، إلى التسجيل في معهد لتعليم اللغة الإيطالية لغير الناطقين بها؛ إذ كان التفاهم بالإنجليزية أمراً عسيراً، في المطار الذي كنت أتدرب فيه كما في المدينة التي نقيم بها ونتسوق ونتنزه فيها.

اقرأ أيضاً: (الفارس العالمية) تحصد المركز الأول كأفضل مشروع في أولمبياد اللغة الإنجليزية ELO 2025

ووصل ولعي بإيطاليا وهيامي بأهلها ولغتها ومطبخها وأناقة ملبسها ودماثة عشرة أهلها إلى حد أنني كنت أطمح وأسعى لأن يُكتب لي التعيين بها بعد انقضاء فترة تدريبي التي قُدّر لها ثلاثون شهراً، متنقلاً بين الدراسة النظرية والعمل التطبيقي في محطات الخطوط الجوية العربية السعودية، ناقلنا الوطني.

شمال ووسط وجنوب: فوارق تتكشف في كل عطلة

وكنت حريصاً على الترحال في كل عطلة نهاية أسبوع، فتبدّت لي الفوارق الجلية بين الشمال والوسط والجنوب في اللهجة والإمكانات والتطور العمراني والاجتماعي. وكانت صقلية وعاصمتها باليرمو أقل المناطق حظاً في هذا المضمار؛ وهي المدينة التي قدِم منها جوهر الصقلي الذي بنى الجامع الأزهر بأمر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وكانت عاصمته يومذاك القيروان في تونس، فكلّفه بقيادة الجيش والتوجه إلى مصر وبناء القاهرة التي لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم؛ ومن منا لم يسمع بـ«قاهرة المعز»؟

اقرأ أيضاً: «هاكثون المدينة» يطلق مسابقة عالمية للذكاء الاصطناعي الأخلاقي

ومن طريف ما لاحظته أن باليرمو أهدت القاهرة بعض شوارعها وأسواقها وبعضاً من مفرداتها؛ فقد سمعت أهلها ينادون المتسول الذي يعزف الكمان على الرصيف استجداءً لإحسان المارة بكلمة «مسكينو».

دعوة كريمة في جدة بمناسبة أسبوع اللغة الإيطالية

وعودة إلى تجربتي الإيطالية وافتتاني بهذا البلد وأهله وطعامه وقهوته، فقد تلقيت منذ أسبوع دعوة كريمة بمناسبة الأسبوع العالمي للغة الإيطالية، نظمتها القنصلية الإيطالية في جدة في بيت الشربتلي الكائن عند مدخل حارة الشام، ذلك الحي الذي كان بمثابة الحي الدبلوماسي في جدة؛ وكأن اختيار الهيئات الدبلوماسية اليوم لإقامة فعالياتها هناك يعيد إلى ذلك الحي مجده وتاريخه.

باللغة الإيطالية.. وذكرى نهائي 1982

وفي الأمسية ناولني المنظمون الميكروفون لأتحدث عن تجربتي الإيطالية، مشترطاً أن يكون حديثي بالإيطالية ما دمنا في أسبوعها العالمي. وقد حمدت الله أنني استطعت أن أستنطق لساني بشيء مما لا يزال عالقاً في ذاكرتي من تلك اللغة الفتّانة بعد ستة وأربعين عاماً. وتداعت إلى خاطري المواقف الطريفة التي تجيش في صدري عن تلك التجربة الفريدة، وأهمها على الإطلاق فوز إيطاليا على ألمانيا في المباراة النهائية لكأس العالم 1982، حين خرجت روما عن بكرة أبيها إلى الشوارع تطرق بملاعقها قدور المطابخ، إعلاناً عن فرحة عارمة بالفوز.

المزيد في قسم كتاب و آراء