كيشا بوتومز تكسر حاجز التاريخ: أول امرأة سوداء تنتخب حاكمة لولاية أمريكية

بعد مسيرة امتدت أكثر من خمسة عشر عاماً بين منصة القضاء ومجلس بلدية أتلانتا ثم أروقة البيت الأبيض، توّجت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز طريقها الطويل، الثلاثاء، بدخول سجل التاريخ بصفتها أول امرأة سوداء تنتخب حاكمة لإحدى الولايات المتحدة الأمريكية.
وجاء هذا الإنجاز بعد تغلبها على منافسها الجمهوري ريك جاكسون في انتخابات حاكم ولاية جورجيا التي جرت في إطار انتخابات التجديد النصفي، لتصبح بوتومز (56 عاماً) أول امرأة وأول شخصية سوداء تنتخب لتولي أعلى منصب تنفيذي في الولاية.
اقرأ أيضاً: الانتخابات النصفية الأمريكية: الديمقراطيون يحسمون 40 مقعداً في مجلس النواب مقابل 21 للجمهوريين
ولم يقف أثر الفوز عند تسجيل سابقة في التمثيل السياسي للنساء السود، بل وضع حداً لهيمنة الجمهوريين على منصب حاكم جورجيا التي استمرت منذ يناير/ كانون الثاني 2003، وأعاد المنصب إلى الديمقراطيين لأول مرة منذ ذلك التاريخ.
اقرأ أيضاً: طاقم التحكيم السعودي يتوجه إلى الولايات المتحدة لبدء استعدادات كأس العالم 2026
ومن المقرر أن تخلف بوتومز الحاكم الجمهوري برايان كيمب، الذي حال القيد الدستوري دون ترشحه لولاية ثالثة على التوالي.
من محاكم أتلانتا إلى إدارة الرئيس بايدن
ولدت بوتومز في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا عام 1970، وهي ابنة مغني موسيقى الإيقاع والبلوز الراحل ميجور لانس وسيلفيا روبنسون، ونشأت في ظروف أسرية عسيرة طبعت طفولتها، بين سجن والدها والضغوط المالية التي حملتها والدتها، وهي تجارب تحدثت عنها لاحقاً بوصفها عاملاً شكّل ميلها إلى القانون والعمل العام.
اقرأ أيضاً: انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة: مراكز الاقتراع تفتح أبوابها على مراحل
تلقّت تعليمها في مدرسة فريدريك دوغلاس الثانوية بأتلانتا، ثم نالت شهادة جامعية من جامعة فلوريدا الزراعية والميكانيكية، وأتبعت ذلك بشهادة في القانون من جامعة ولاية جورجيا.
وخطت أولى خطواتها المهنية محاميةً، ثم عملت قاضية في محكمة تنظر في القضايا البسيطة، وهو موقع أتاح لها الاحتكاك المباشر بهموم المواطنين وبعمل المنظومة القضائية المحلية.
أما بدايتها في العمل السياسي المنتخب فتعود إلى عام 2009، حين فازت بمقعد في مجلس مدينة أتلانتا عن الدائرة الحادية عشرة الواقعة جنوب غربي المدينة، وبعد إعادة انتخابها عام 2013 خاضت انتخابات رئاسة البلدية في 2017، حيث تغلبت على منافستها ماري نوروود في جولة إعادة اتسمت بتقارب كبير في النتائج.
وتولت في يناير/ كانون الثاني 2018 منصب العمدة الستين لأتلانتا، لتبدأ مرحلة وضعتها في دائرة الاهتمام على المستوى الوطني.
وخلال إدارتها للمدينة واجهت تحديات متلاحقة، في مقدمتها جائحة كورونا والاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد عام 2020 على خلفية مقتل الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد على يد شرطي في مدينة مينيابوليس.
ولفتت بوتومز الأنظار في تلك الفترة بمواقفها من الاحتجاجات ومن العلاقة بين الشرطة والمجتمع، وبمناداتها إلى التصدي للتمييز العنصري، مع تشديدها في الوقت نفسه على ضرورة صون الأمن والنظام العام.
كما تبنّت إدارتها مبادرات لتوفير مساكن بأسعار ميسورة، وإصلاح منظومة العدالة الجنائية، ودعم التنمية الاقتصادية.
غير أن ولايتها لم تخلُ من الانتقادات، خصوصاً في ما يتصل بارتفاع معدلات الجرائم العنيفة وبأسلوب تعامل السلطات المحلية مع الاضطرابات والاحتجاجات.
وفي عام 2021 أعلنت بوتومز عدم نيتها الترشح لولاية ثانية، وغادرت منصبها في يناير/ كانون الثاني 2022.
ولم يكن خروجها من بلدية أتلانتا نهاية مسارها، إذ انتقلت في يونيو/ حزيران 2022 إلى العمل داخل إدارة الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن، حيث تولت منصب مستشارة أولى للرئيس ومديرة مكتب المشاركة العامة في البيت الأبيض، وهو المكتب المكلف بالتواصل مع مؤسسات الأعمال والمنظمات المجتمعية والنقابات ومختلف الشرائح الاجتماعية.
وأتاح لها هذا الموقع الانتقال من إدارة الشأن المحلي في أتلانتا إلى المشاركة في العمل السياسي على المستوى الفيدرالي، وتعزيز علاقاتها داخل الحزب الديمقراطي، قبل أن تغادر البيت الأبيض عام 2023 وتعود إلى حلبة المنافسة الانتخابية على منصب حاكم جورجيا.
وفي مايو/ أيار 2026 حسمت ترشيح الحزب الديمقراطي لخوض انتخابات الحاكم، لتواجه ريك جاكسون، رجل الأعمال الثري الذي يخوض أول تجربة انتخابية في حياته.
مواجهة مع مرشح من خارج المؤسسة السياسية
خاضت بوتومز السباق أمام جاكسون الذي راكم ثروته في قطاع خدمات الرعاية الصحية، وقدّم نفسه مرشحاً من خارج المؤسسة السياسية التقليدية.
وركّز جاكسون حملته على خفض الضرائب وتعزيز الأمن العام وتقليص القيود التنظيمية المفروضة على الشركات، مستنداً إلى خبرته في إدارة الأعمال.
كما وجّه انتقادات إلى سجل بوتومز أثناء رئاستها بلدية أتلانتا، ولا سيما طريقة تعامل إدارتها مع ارتفاع معدلات الجريمة والاحتجاجات التي شهدتها المدينة.
في المقابل، قدّمت بوتومز خبرتها في الإدارة المحلية وعملها داخل البيت الأبيض بوصفها مؤهلاً لقيادة جورجيا، وشدّدت على القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تلامس الحياة اليومية للسكان.
ووضعت توسيع خدمات الرعاية الصحية وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين في صدارة برنامجها الانتخابي، وتعهدت بتوسيع برنامج “ميديكيد” للتأمين الصحي المخصص للفئات محدودة الدخل، وبرفع الحد الأدنى للأجور في جورجيا إلى 15 دولاراً للساعة.
ودعت كذلك إلى زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، وتوسيع فرص الحصول على مساكن بأسعار ميسورة، وتحسين الخدمات الأساسية.
وفي ما يتعلق بالبيئة والبنية التحتية، طالبت بفرض قيود على التوسع في إنشاء مراكز البيانات، محذرة من تداعياتها المحتملة على شبكات الكهرباء والموارد المحلية والمجتمعات المجاورة.
وسعت من خلال هذه التعهدات إلى استمالة الناخبين المتضررين من ارتفاع كلفة المعيشة، وإلى تقديم برنامج يبرز دور الحكومة في تحسين الخدمات العامة.
دلالات الفوز في ولاية متقلبة
يكتسب فوز بوتومز أهمية خاصة في جورجيا، التي عرفت خلال السنوات الماضية تحولات انتخابية جعلتها واحدة من أبرز ساحات التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين.
وللسكان السود في الولاية ثقل سياسي واضح، إذ يشكلون شريحة أساسية من القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي، خصوصاً في أتلانتا وضواحيها.
وكانت الديمقراطية ستيسي أبرامز قد سبقت بوتومز في محاولة كسر الحاجز العرقي والنوعي في منصب الحاكم، إذ خاضت السباق مرتين عامي 2018 و2022، لكنها خسرت في المرتين أمام الجمهوري برايان كيمب.
ورغم خسارتها، أسهمت حملات أبرامز وجهودها في تسجيل الناخبين وحشدهم في تعزيز الحضور الانتخابي للديمقراطيين في الولاية، ولا سيما في أوساط الأمريكيين السود.
وجاء فوز بوتومز بعد هذه التحولات ليمنح الديمقراطيين منصب حاكم جورجيا للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين، بعد أن كان آخر من شغله من الحزب الديمقراطي هو روي بارنز، الذي انتهت ولايته في يناير/ كانون الثاني 2003.
كما أسقط الفوز حاجزين تاريخيين في وقت واحد، فلم يسبق لأي امرأة ولا لأي شخص أسود أن تولى منصب حاكم جورجيا، ولم يسبق لامرأة سوداء أن انتخبت حاكمة لأي ولاية أمريكية.
وبذلك انتقلت بوتومز من كونها واحدة من أبرز الوجوه السياسية المحلية في أتلانتا إلى تسجيل سابقة على المستوى الوطني في تاريخ الولايات المتحدة، مع بدء مرحلة جديدة تضع خبرتها السياسية وبرنامجها الانتخابي أمام اختبار إدارة واحدة من أهم الولايات الأمريكية.
المزيد في قسم عربي و عالمي










