الرئيسية›محليات›نظام التنفيذ السعودي يغلظ عقوبات التحايل...
محليات

نظام التنفيذ السعودي يغلظ عقوبات التحايل على الأحكام بالسجن والغرامات

ليس هناك ما هو أكثر إيلاماً لصاحب الحق من أن يخوض معترك التقاضي، ويتحمل مشقة الخصومة، ليحصل في النهاية على حكم قضائي يثبت حقه، ثم يفاجأ بأن الأموال التي كان يعوّل عليها قد اختفت أو انتقلت إلى ملكية آخرين، وأن المدين الذي كان يمتلك العقارات والأرصدة البنكية أصبح لا يملك شيئاً في الظاهر.

ولو كانت مواجهة هذا السلوك تقتصر فقط على تتبع الأموال، لظل التحايل مغامرة منخفضة التكلفة. وهنا تبرز أهمية العقوبات التي أقرها نظام التنفيذ الجديد؛ فهي تجعل كلفة التحايل تفوق أي مكسب متوقع، وتنقل القضية من نزاع مالي إلى مسؤولية جنائية قد تطال المدين وكل من ساعده.

مدين ممتنع ومدين متحايل

يميز النظام بين نوعين من المدينين: الممتنع عن التنفيذ والمتحايل على التنفيذ. فالامتناع يقابل بإجراءات التنفيذ الجبري مثل الإشعار بعدم التنفيذ في جهات المعلومات الائتمانية، والحجز على الأموال، وفرض غرامة يومية لا تتجاوز خمسة آلاف ريال، والمنع من السفر. وهذه وسائل إكراهية هدفها تحقيق الوفاء لا العقاب.

اقرأ أيضاً: موافقة ملكية على منح ميدالية الاستحقاق لـ56 مقيماً تبرعوا بالدم عشر مرات

أما من تعمد تعطيل التنفيذ، أو أخفى أمواله، أو هربها، أو ضلل بشأنها، فإنه ينتقل من دائرة الإكراه إلى دائرة التجريم. وتنص المادة الثامنة والعشرون على أن تحيل المحكمة الواقعة إلى جهة التحقيق متى وجدت أدلة أو قرائن على ذلك، من المنفذ ضده أو من غيره، على ألا يوقف ذلك التنفيذ.

عقوبات تصل إلى 15 عاماً للسجن وغرامات بالملايين

وتأتي المادة الخمسون بعقوبة السجن لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات وغرامة لا تزيد على مليون ريال، أو إحداهما، على أربعة أفعال محددة: إخفاء الأموال أو تهريبها بقصد منع استيفاء الحق، وتعمد تعطيل التنفيذ ومن صوره الامتناع عن الإفصاح عن الأموال أو إقامة دعوى بقصد التعطيل أو التصرف في المال المحجوز، ومقاومة التنفيذ بالتهديد أو التعدي، وتقديم بيانات مضللة أو غير صحيحة عمداً أمام المحكمة أو أثناء التنفيذ. فالإفصاح لم يعد مجرد إجراء شكلي، والتصرف في المال المحجوز يجمع بين بطلانه بموجب المادة الرابعة والعشرين والعقوبة الجنائية، وحتى التقاضي لم يعد ملجأً آمناً للمماطلين.

ولم تقتصر العقوبة على المدين وحده؛ فالشريك يعاقب بالعقوبة ذاتها، وهو كل من وافق أو حرض أو ساعد وهو عالم بالأمر. وهذا يشمل القريب أو الصديق الذي يقبل تسجيل الأموال باسمه وهو يعرف الغاية؛ فما يراه مجاملة قد يجعله متهماً، وشرط العلم هو الحد الفاصل بين المتعامل البريء والشريك في التحايل.

اقرأ أيضاً: محامية: النظام الجديد للتنفيذ يوسّع صلاحيات القاضي في تتبع الأموال

وأشد من ذلك ما نصت عليه المادة الثانية والخمسون من معاقبة المدين الذي يثبت تبديده أمواله الكثيرة بالسجن مدة لا تزيد على خمس عشرة سنة، حتى لو ثبت إعساره، مع اعتبار ذلك من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف؛ فالإعسار الذي يصنعه المدين بنفسه لا يصلح عذراً له. كما تعاقب المادة الحادية والخمسون الموظف العام الذي يمنع التنفيذ أو يعيقه بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات.

تعزيز الأثر الردعي وحماية حقوق الدائنين

وتزداد هذه العقوبات فعالية بأحكام مكملة: تطبيق العقوبة الأشد إذا شكل الفعل جريمة في نظام آخر، وجواز مضاعفتها عند العود خلال ثلاث سنوات بما لا يتجاوز ضعف حدها الأقصى، وجواز نشر ملخص الحكم القطعي على نفقة المحكوم عليه، وهو جزاء يمس السمعة المالية وقد يكون أبلغ أثراً من الغرامة نفسها.

ومن عدالة هذا التنظيم أنه لم يجعل التجريم سلاحاً في يد طرف واحد؛ فالمادة الثالثة والخمسون تعاقب طالب التنفيذ الذي يطلب إجراءً من إجراءاته بقصد الإضرار بالمنفذ ضده، أو يماطل في إنهاء طلبه بعد استيفاء حقه بالقصد ذاته. فالعجز الحقيقي عن الوفاء غير التحايل عليه، والتنفيذ وسيلة لاقتضاء الحق لا أداة للانتقام.

اقرأ أيضاً: الصين: لن يكون هناك سلام فى الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية

ويعكس هذا التنظيم عناية المنظم السعودي بتعزيز فاعلية التنفيذ القضائي، وتبرز فيه جهود وزارة العدل في تطوير إجراءات التنفيذ، وتيسير وصول أصحاب الحقوق إلى حقوقهم، بما يعزز الثقة في القضاء، ويحقق التوازن بين فاعلية التنفيذ والضمانات المقررة لأطرافه.

إن الغاية من القضاء ليست أن يصدر حكم يثبت الحق، ثم يُترك صاحبه يلاحق أموال مدينه وقد توزعت بين الأسماء؛ إذ لا تكتمل الحماية القضائية حتى يتمكن المحكوم له من اقتضاء حقه. والرسالة التي يحملها النظام حازمة: التحايل على التنفيذ قد يرتب مسؤولية تتجاوز المال إلى الحرية، ومن يشارك فيه عالمًا بحقيقته قد يتحمل تبعة فعله.

باحث دكتوراه أنظمة

المزيد في قسم محليات