رحلتي بين الصدام والموضوعية: حكاية كاتب يعارض الفساد ويتحدى التيارات

في لقاءٍ حادٍ ومكثفٍ عُقد منذ أيام قليلة مع أحد الشخصيات التي يصفها بأنه من “معايير هذا الزمن”، أُشير إليه بعبارة صريحة: “أنت صدامي في آرائك ومقالاتك”. ابتسمتُ ورددتُ أن الحكم على الأسلوب لا يمكن أن يتم دون الإحاطة بسياقه الكامل.
بدايات الكتابة وملامحها الأولى
أمتدُّ في ميدان الكتابة إلى ما يزيد عن ستة عشر عاماً، ولم تكن انطلاقتي موجهةً نحو الشهرة أو إثارة الجدل. إنما انطلقت في زمنٍ كانت فيه مكافحة الفساد ضرورةً وطنيةً ملحة، حين كان الفساد يلتفّ حول أعمدة الدولة كأنه عادة لا يُستثنى منها أحد. في تلك المرحلة، كان كثيرون يصفونني بأنني “أنفخ في قربة مشقوقة”، إذ كان تنظيم الإخوان المسلمين يتغلغل في مؤسسات متعددة، بينما كانت تيارات الصحوة تشهد ذروة نفوذها.
وجدتُ نفسي حينئذٍ أمام ثلاثة مخاطر أساسية اعتبرتُها تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة ومستقبلها: الفساد، وجماعة الإخوان، وتيارات الصحوة. لم يكن النزاع مجرد خلاف فكري أو مناظرة ثقافية، بل ارتبط في نظري بأمن الوطن ومصيره.
من الربيع العربي إلى التصدي لمشروع الإخوان
مع انطلاق ما سُمي بـ”الربيع العربي” ارتفع صيت الإخوان في عدد من الدول، فبدل كثيرون مواقفهم وغيّروا وجوههم السياسية والفكرية. أما نحن فظلنا نواصل النقد، وكتبنا بلغات متعددة، وقدمنا دراسات أكاديمية تنقّب في مشروع الإخوان وتكشف مخاطر تلك المرحلة. نتيجةً لذلك وُضعنا على قوائمهم السوداء، ورغم نصائح البعض لنا بضرورة “نجاراة الموجة” لتفادي الخسارة، تمسكنا بمبدأ أن المبادئ لا تُقاس باتجاه الرياح.
دعم رؤية 2030 والحملة ضد الفساد
عند ظهور رؤية المملكة 2030، لم يتقبلها الجميع على الفور؛ فكان هناك حذر وتردد. ومع ذلك، أظهرنا حازمةً في تشجيعها ودعمها. عندما انطلقت حملة مكافحة الفساد في فندق الريتز، توقفت العديد من الأصوات الإعلامية عن تناول الملف، بينما أعلنّا تأييدنا القوي لتلك الحملة، معتبرين إياها خطوةً حاسمة نحو بناء دولة مؤسسات وسيادة قانون.
ومن المثير للدهشة أن بعض وسائل الإعلام العالمية استندت إلى مقالاتنا في تغطيتها للحدث.
الدفاع عن سمو ولي العهد ومشروع النهضة
تبع ذلك حملة إعلامية وسياسية شديدةً موجهةً ضد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. رأينا في شخصه ليس مجرد مسؤولٍ سعودي، بل رمزاً لمشروع نهضة وطنية وإقليمية طال انتظارها. لذا دافعنا عنه بحزم عبر مختلف المنصات واللغات، مستندين إلى الوقائع والأدلة، في حين اعتمدت الحملات المعارضة على أساليب التشويه أكثر من النقاش الموضوعي.
صرّحنا حينها بأن تلك الحملة ستنقضي، وأن من يهاجمه اليوم سيستدعي التعاون معه غداً، عقب إدراكهم لأهمية رؤيته للمملكة والمنطقة والعالم.
مرونة الرؤية وتقييم الأداء
مع تطور رؤية المملكة، كنا من أوائل من أبرز أن الرؤية ليست وثيقةً ثابتة، بل مشروع ديناميكي يتكيف مع المتغيرات والتحديات. بينما تخيل البعض أن أي تعديل يعني خروجاً عن المسار، أثبتت التجربة أن مرونة الرؤية وقدرتها على التكيف كانت من أهم عوامل نجاحها.
وفي الوقت ذاته، لم نتردد في الإشارة إلى أي تقصير أو تأخير في تنفيذ أي جهة، لأننا نرى الرؤية كساعةٍ عملاقة؛ أي عطلٍ في ترسٍ صغيرٍ قد يبطئ حركة الساعة بأكملها. لذا مارسنا النقد البناء عندما استدعى الأمر، ونبهنا إلى الإنجازات التي تستحق الثناء، بعيداً عن الأفراد ومقتصرين على المصلحة العامة.
مبادئ شخصية ومسيرة خالية من المكافآت
على الصعيد الشخصي، كل ما كتبناه كان بدافع وطني خالص، دون سعيٍ لمنصب أو مكسبٍ شخصي. لم نتقاضَ أي ريالٍ من جهات حكومية سعودية طوال هذه الفترة، ولا شغلنا مناصب حكومية. حتى دراستنا العليا، بما فيها درجة الدكتوراه، تم تمويلها من ذاتنا.
وبسبب مواقفنا الصريحة تجاه الفساد والإخوان، تعرضنا لضغوط ومضايقات متواصلة سعيًا لإسكات صوتنا. من بين تلك التجارب، شنت مجموعة من الفاسدين في إحدى الوزارات حملة تشويه تجاوزت الحدود، إلا أن الحقيقة ظهرت فيما بعد، وغادروا مناصبهم بعد ثبوت تجاوزاتهم المالية.
كما حرمنا أحد المسؤولين السابقين، المعروف بتوجهاته الإخوانية، من حقوقٍ كفلها لنا النظام. وعلى الرغم من إمكانية المطالبة القانونية بها، صرّحت له حينها: “وجه الله أبرك”، رافضاً مطاردة إخواني لاسترداد حقي.
استراتيجية التصدي للتشويه والختام
من خلال خبرتي الطويلة في التعامل مع الفاسدين والجهات ذات الأجندات الأيديولوجية، لاحظت نمطاً متكرراً؛ عندما تعجز حجتهم عن الوقوف أمام الحقائق، يلجؤون إلى حملات تشويه خفية، يبت{*}دون مواجهتها مباشرة، ثم يختلقون روايات لا صلة لها بالواقع لتقويض السمعة.
اليوم، أحمد الله أن ما عوضني به كان أضعاف ما فقدته. نحن لا نسعى إلى الصدام، بل إلى الموضوعية والواقعية، ومنح كل ذي حق حقه، سواء توافقنا معه أم اختلفنا. على مدى سنوات، كنا نثني على الجهات التي أبدت أداءً مميزاً، فمثلاً أشدّنا على جهود السفارات رغم التباعد، وعلى ما قدمته للمواطنين خلال جائحة كورونا.
بهذا الصدد، نستمر في كتابة مقالاتٍ تُعبر عن مواقفنا، دون انحيازٍ شخصي، مستندين إلى الوقائع والبيانات، ساعين إلى إرساء حوارٍ بنّاء يخدم الصالح العام.



