الرئيسيةعربي و عالميتحليل نقدي لتصوّر مرزوق بن تنباك...
عربي و عالمي

تحليل نقدي لتصوّر مرزوق بن تنباك لسلطة ديكارت في صعود الحضارة الغربية

في تغريدةٍ أشار فيها الباحث مرزوق بن تنباك إلى دور الفيلسوف رينيه ديكارت في تحرير الفكر الأوروبي، مُعبِّرًا عن فكرة أن الكنيسة كانت قد قيدت العقل الأوروبي، وأن ديكارت فكّ القيد مما مهد الطريق لتفكيرٍ أعمق في طبيعة الأشياء وما يتجاوزها. وذكر أن هذه الخطوة أطلقت سلسلة من الاكتشافات والاختراعات التي استمرت منذ أواخر القرنين السادس عشر والسابع عشر حتى يومنا هذا، وأن الذكاء الاصطناعي يمثل ذروة هذه المسيرة.

سردية «البطل المخلص» وتبسيط التاريخ

تُظهر الفكرة التي طرحها بن تنباك نمطًا شائعًا في الأدبيات العربية والغربية، حيث يُصوَّر التقدم كخط مستقيم يبدأ بضغط الكنيسة على العقل، ثم يأتي ديكارت كمنقذ يُحرّر الفكر، ويتبع ذلك انطلاق الاكتشافات وتطور الحضارة الغربية وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي. هذا الإطار يُختزل مسارًا تاريخيًا معقّدًا إلى قصة بطولية بسيطة، ما يخلق تصورًا جذابًا لكنه يفتقر إلى العمق.

انتقادات المؤرخين لخط الرواية الخطية

تُعرّض هذه السردية للانتقاد بسبب اختزالها للظواهر التاريخية المتشابكة في نموذج أحادي البُعد. فالمؤرخون المتخصصون يشيرون إلى أن مسألة صعود الغرب لا يمكن إرجاعها إلى حدثٍ واحد أو شخصيةٍ واحدة، بل هي نتاج مجموعة من العوامل المتعددة. أشار أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، نيال فرجسون، إلى أن صعود الغرب يُعَدّ الظاهرة التاريخية الأبرز في النصف الثاني من الألفية الثانية بعد الميلاد، وأنه لا يزال يمثل لغزًا يتنازع حول تفسيره بين الباحثين.

الصور النمطية عن ديكارت في الخطاب العربي

تُعَدّ صورة ديكارت كرمزٍ للعقلانية المتنوّرة من أكثر المغالطات شيوعًا في الأدب العربي. يُصوَّر الفيلسوف كمنبعٍ للمنهج الشكي، وهو المبدأ الذي يدعو إلى التشكيك في ما تستقله الحواس من معارف. وفقًا لهذا المنهج، تُقسم التجربة إلى عالم العقل الصافي وعالم الحواس الملطّخ بالخطأ، حيث يُعتقد أن الشياطين قد تُخدع الحواس وتُقودها إلى أوهام لا أساس لها. من هنا جاء القول المشهور لداكارت «أنا أشك إذن أنا موجود»، الذي يُستَخدم أحيانًا كدليل على صرامة تفكيره.

التناقض بين الصورة الأسطورية والواقع الفلسفي

على الرغم من أن الخطاب العربي يقدِّم ديكارت كمحرِّرٍ للعقل من الخرافات، فإن أسس فكره لا تستند إلى يقينٍ خالص بل إلى تصورٍ أسطوري يفصل بين عالم العقل وعالم الحواس، مشيرًا إلى وجود قوى خبيثة تُضلّ الحواس. وبالتالي، فإن تصويره كمعلمٍ عقلانيٍ يلعب دورًا حضاريًا مشابهًا للأنبياء يُظهر قراءةً مبسطة لا تتماشى مع تفاصيل الفلسفة الديكارتية الفعلية.

ختامًا: دعوة إلى قراءة أكثر تعقيدًا للتاريخ الفلسفي

إن الاعتماد على سردية «البطل المخلص» لتفسير تطور الفكر الغربي يُغري بالبساطة، لكنه يخفّف من تعقيد الظواهر التاريخية والفلسفية. يبقى من الضروري للباحثين والقراء على حد سواء مراجعة المصادر المتعددة وتفادي الاختزالات المتسرعة، حتى يُستوعب التاريخ بأبعاده المتشابكة ويتجنّب الوقوع في مغالطات تُعيد إنتاج أساطير قديمة على حساب الفهم الدقيق.