المال أم البيانات: أيهما يمثل الثروة الحقيقية في عصرنا

تتجلى المسألة الجوهرية بين المال والمعلومات في سؤال قد يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل في طياته أبعادًا تاريخية واقتصادية معقدة. هل ما نمتلكه من نقود يظل هو المعيار الأسمى للثروة، أم أن ما نجمعه من بيانات يتحول إلى قيمة لا تقل أهمية؟
من المقايضة إلى العملات المعدنية
لنعُد إلى جذور التبادلات المالية؛ ففي العصور القديمة كان الناس يقتصدون عبر المقايضة المباشرة، مثل تبادل القمح بالماشية أو استبدال قطع لحم بفاكهة. ثم ظهر تحول جذري مع صك العملات المعدنية في عهد الملك كرويسوس، آخر حكام مملكة ليديا الواقعة في غرب الأناضول، حيث استُخدمت قطع من الذهب والفضة بين عامي 560 و546 قبل الميلاد، لتؤسس لآلية نقدية استمرت في التطور حتى يومنا هذا.
المعلومات كنفط العصر الرقمي
في زمننا الحالي، شهدنا طفرة تكنولوجية غير مسبوقة جعلت من المعلومات – أو ما يُسمى أحيانًا “البيانات الشخصية” – العنصر الأثمن. إذ ارتفعت قيمة بعض الشركات التقنية إلى مستويات تجعلها من بين أعلى القيم السوقية عالمياً، لأن نشاطها يرتكز على جمع وتحليل البيانات وتحويلها إلى قرارات تجارية وإعلانات مربحة.
تخيل أن اسمك، عمرك، موقعك الجغرافي، سلوكك في البحث على الإنترنت، نمط مشترياتك، وحتى مشاركاتك على منصات التواصل الاجتماعي تتحول إلى مصدر دخل لجهات أخرى، أو تُستغل لتحديد ميولك الشخصية. ما يثير الدهشة أن أبرز شركات التكنولوجيا لا تعتمد على بيع منتجات مادية بقدر ما تستثمر في جمع البيانات؛ فكل نقرة أو بحث أو إعجاب أو تعليق يُسجل في ملف رقمي ضخم.
قيمة البيانات وتداولها
في بعض الحالات تُباع قواعد البيانات الشخصية بمبالغ قد تفوق ما يملكه الفرد من أموال، إذ لا تُستنزف البيانات عند بيعها مرة واحدة؛ بل يمكن نسخها وإعادة بيعها مرارًا وتكرارًا دون علم صاحبها. كل عملية تصفح أو زيارة لموقع أو تفاعل مع إعلان تُسجل أثرًا رقميًا يُستغل لرسم ملف دقيق عن اهتمامات وتفضيلات المستخدم، مما يمكّن الشركات من اختيار الإعلانات الأنسب وتوقيت عرضها واقتراح منتجات متوافقة مع رغباته.
تسريبات البيانات وأثرها
شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من التسريبات التي أثرت على ملايين المستخدمين حول العالم، شملت أحيانًا أرقام هواتف، عناوين بريد إلكتروني، ومعلومات حساسة أخرى. لم تكن الخسارة دائمًا مالية، بل تمثلت في فقدان السيطرة على المعلومات الشخصية، ما مهد للجرائم الإلكترونية مثل الاحتيال وانتحال الهوية والاستهداف الدقيق.
ومن المفارقات أن كثيرًا من الناس يحرصون على تعقيد كلمات السر لحماية حساباتهم، بينما يوافقون يوميًا على مشاركة بياناتهم مع عدد لا يُحصى من التطبيقات والمواقع دون إمعان النظر في شروط الاستخدام.
هنا يبرز سؤال ربما لم يُطرح من قبل: إذا كان اللص في الماضي يسرق محفظتك لينهب مالك، فلماذا يركز المهاجم اليوم على استخراج معلوماتك أولًا؟ ربما لأن المال يُصرف مرة واحدة، أما البيانات فتبقى قابلة لإعادة الاستغلال والبيع مرات لا تُعد.
هل ما زلنا نقييم الثروة بما نمتلكه من أموال، أم بما نتركه من بيانات يومية؟
— رئيس قسم علم المعلومات بجامعة الملك سعود



