الرئيسيةمنوعاتداود الصندوق الأسود: نصف قرن من...
منوعات

داود الصندوق الأسود: نصف قرن من الذاكرة الصحفية بين الماضي والحاضر

في رحلةٍ تتجاوز مجرد جمع الأخبار، يعبّر الصحفي داود الشريان عن تجربةٍ تمتد لخمسين عاماً في ميدان الصحافة، حيث لا يبقى من العناوين سوى صدىٍ خافتٍ وتفاصيلٍ تنساب إلى هوامش الزمان. تتلاشى الأسماء التي لم يستطع تذكرها في لقاءاته، وتذبل العناوين التي بدت يوماً حاسمة، لكن يبقى هناك شيء أعمق من الخبر نفسه.

الذاكرة كعنصر أساسي في السرد الصحفي

العنصر الأكثر رسوخاً هو العين التي رآه، والعقل الذي فسره، والذاكرة الصحفية التي حاولت الصمود أمام خوارزميات الذكاء الاصطناعي. يصف داود الشريان هذه الذاكرة بأنها عملية إعادة ترتيب للشقائق وترميمها، مما ينتج سرداً حميمياً يكشف عن “داود آخر” أقل ظهوراً على الشاشة، لكنه أقوى حضوراً في الذاكرة الجماعية للقراء.

من مطاردة الأخبار إلى مطاردة الذكريات

يمتدّ مفهوم الصندوق الأسود إلى ما هو أعمق من مجرد جمع الوقائع؛ فهو سعي مستمر للصحفي إلى استعادة الذكريات الصحفية التي تتلاشى مع مرور الزمن. يقتبس داود من كتاب بول ريكور “الذاكرة، التاريخ، النسيان” ليظهر كيف أن البحث عن الذكريات يصبح أصعب من مطاردة الأحداث نفسها، خاصةً عندما تتلاشى التفاصيل في غياهب الماضي.

بئر الذاكرة الصحفية

يستعير داود فكرة “بئر الذاكرة” التي طرحها ريكور، موضحاً أن كل من يغوص في أعماقها يعود محملاً بكمٍ مختلف. في حلقات الصندوق الأسود، لا يقتصر الأمر على استعراض الأرشيف الورقي، بل هو غوص عميق في خمسين عاماً من التجربة الصحفية، حيث تصبح الحكايات المستخرجة من بئر الذاكرة مزيجاً من المشاعر، والدهشة، والتوتر السردي، والنكات، والمخاوف، والمواقف الخفية التي لا تسجلها الصحف.

من الوقائع إلى حياة كاملة

يظهر داود في سلسلة الحلقات وهو يهبط إلى بئر ذاكرته ليعود بحكايات نجت من النسيان. ففي الأرشيف قد تكون القصة مجرد حادثة، لكن في الذاكرة تتحول إلى حياة متكاملة، إذ يدرك داود أن الخبر هو ابن اللحظة، بينما الذكريات الصحفية هي ابنة العمر والزمن.

بهذا الفهم المتجدد، يستمر داود الشريان في تقديم سردٍ يدمج الماضي والحاضر، ويعيد للقراء استشعار الروح الحقيقية للصحافة التي لا تقتصر على نقل الأحداث بل تحافظ على نبض الذاكرة الجماعية.