الرئيسيةكتاب و آراءنقد ثقافة النصائح السريعة للبثوث في...
كتاب و آراء

نقد ثقافة النصائح السريعة للبثوث في حل المشكلات الزوجية

سرعة النصائح وحدودها

مع انتشار البثوث المباشرة، بدأ بعض الأزواج يلجؤون إلى أصحابها طالبين المشورة في خلافاتهم؛ تُعرض المشكلة ويُقدم الحل خلال دقائق قليلة، وكأن أدق تفاصيل الحياة الزوجية يمكن حلها في وقت لا يكفي لإنقاذ أسرة.

خطورة الاستماع لجهة واحدة

ليس كل من أمسك الميكروفون أصبح مستشاراً، وليس كل بث يُصلح الأسرة؛ فالتساؤل يبقى: من يحمي الأسرة من النصائح السريعة داخل البثوث؟ فلا يمكن تسوية كل المشكلات بجواب واحد، فالمشكلات تختلف والناس يختلفون لكن الإجابات تكاد تكون واحدة، وكأن الحياة الزوجية قالب واحد يمكن إدارة آلاف البيوت بالعبارة نفسها والرد ذاته والحل ذاته.

دور المختصين والمعايير المهنية

الحياة الزوجية ليست سؤالاً يُجاب عنه قبل أن يكتمل طرحه؛ فهي تاريخ طويل من التربية والطباع والصدمات النفسية والظروف المادية والخلفيات الثقافية وطريقة التعبير عن الحب وأساليب التواصل بل وحتى التاريخ الصحي والنفسي لكل من الزوجين، ولا يمكن اختصار هذه العناصر في دقيقة أو دقيقتين من البث المباشر، بل لا يبدأ طبيب نفسي أو أخصائي أسري محترف في تقديم التوجيه قبل جمع المعلومات الكافية والاستماع للتفاصيل وطرح الأسئلة وربما يحتاج إلى عدة جلسات قبل فهم أبعاد المشكلة وظروفها.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تُعرض المشكلة من طرف واحد فقط في البث المباشر؛ فنحن لا نسمع الزوج أو الزوجة ولا نعرف الملابسات ولا ما سبق الخلاف ولا إن كانت الشكوى كاملة أم منقوصة، وقد يكون الطرف المتحدث مظلوماً أو مخطئاً أو قد نقلاً من الصورة وترك أجزاء أخرى، ومع ذلك يصدر الحكم وتُمنح الوصفة العلاجية على الفور ويخرج آلاف المتابعين وهم يظنون أنهم تعلموا كيف تُحل المشكلات الأسرية.

العدالة في فهم النزاعات تبدأ بسماع الأطراف المعنية لا بالاكتفاء برواية واحدة، وهذا ليس مبدأ قانونياً فحسب بل هو أساس في العمل النفسي والاجتماعي؛ لذلك يجب أن تناقش القضايا التي تمس الأسرة في بيئتها المهنية المتخصصة على أيدي المؤهلين من المختصين النفسيين والاجتماعيين والأسريين وفق منهج علمي واضح مع مراعاة الأحكام الشرعية والضوابط المهنية التي تحفظ الأسرة من التشتت وتحفظ أسرار البيوت من أن تصبح مادة يتداولها الناس في البثوث العامة.

كما أن بعض أساليب التعامل مع المشكلات الزوجية تستحق التوقف عندها؛ فهل الرد على الإهانة يكون بالمزاح؟ وهل بناء الاحترام بين الزوجين يقوم على تبادل العبارات الساخرة أو رد الكلمة بكلمة؟ إن العلاقة الزوجية ليست ساحة انتصار لغوي ولا مباراة للردود الذكية بل ميثاق غليظ يقوم على الاحترام المتبادل وصيانة الكرامة وإصلاح الخلل ومعالجة المشكلة بدلاً من زيادة تعقيدها.

البيت ليس مساحة لتجربة النصائح ولا ينبغي أن تُسلم مشكلاته لأصحاب البثوث دون معرفة خلفيتهم العلمية والمهنية؛ فالخلاف الزوجي أكثر تعقيداً من أن يتحول إلى سؤال عابر وجواب فوري، والنقد هنا ليس موجهاً لفكرة النصح في ذاتها ولا للمتخصصين الذين يمارسون الإرشاد وفق الأصول العلمية والمهنية وإنما لثقافة تحويل العلاقات الإنسانية إلى حلول فورية وكأن الإنسان معادلة بسيطة والبيوت تُرمم بعبارة أو تُبنى بجواب لا يستغرق سوى دقائق.

وللعلم والحكمة هيبتهما؛ فهما يصنعان في الإنسان اتزاناً في فهم حياته وقراراته؛ والزوجان اللذان يملكان من الوعي والحكمة ما يكفي لفهم علاقتهما لا يسلمان تفاصيلها ونزاعاتهما لغير المختصين؛ فلا يكفي حضور الشخص ولا عدد متابعيه ولا قدرته على الحديث ليصبح مرجعاً في شؤون الأسرة ولا ينبغي أن تحل الثقة بصاحب النصيحة محل السؤال عن علمه وتأهيله؛ فالزوج والزوجة أدرى بمفاتيح علاقتهما وما تراكم فيها من تفاصيل وإن تعقدت بعض جوانبها فالمختص المؤهل قادر على قراءتها بمنهج وعلم؛ وحفظ البيت من كرامة أهله ومن حق هذه العلاقة ألا تُترك مصائرها لنصيحة عابرة ممن لا نعرف على أي علم يستند ولا بأي تأهيل يتحدث.