الرئيسيةمحلياتعام الماء 2027.. من انحسار الأنهار...
محليات

عام الماء 2027.. من انحسار الأنهار الأوروبية إلى نجاحات المملكة المائية

شهدت القارة الأوروبية خلال الأيام الأخيرة من يوليو وأوائل أغسطس 2026 مشاهد غير مألوفة، إذ تراجعت مياه عدد من أنهارها الكبرى بشكل لافت، كاشفةً عن قيعانها وما تخفيه من آثار. ففي نهر الدانوب، بدت بقايا سفن حربية غرقت خلال الحرب العالمية الثانية، بينما أطلّت من نهر إلبه وروافده «أحجار الجوع» المدوّنة بعبارات نقشها أسلاف عاشوا فترات جفاف قاسية قبل قرون، تاركين شهاداتهم على الصخر، لتعود وتظهر مجدداً بعد أن غمرتها المياه طويلاً.

لا يقف المشهد عند حدود أوروبا، فالتقارير العالمية تصف وضع الموارد المائية المتقلب بين الجفاف والفيضانات واضطراب تدفقات الأنهار. وتشير الإحصاءات إلى أن ندرة المياه تؤثر سنوياً في نحو 30% من مساحة الاتحاد الأوروبي، وهو ما ينعكس على قطاعات الغذاء والطاقة والاقتصاد والصناعة والنقل، ويهدد استقرار المجتمعات.

الأنهار الأوروبية.. شاهد جديد على الجفاف

ويقدم نهر الراين مثالاً عملياً على هذه التحديات؛ فعندما ينخفض مستوى النهر، تقلّ قدرة السفن على حمل البضائع، وترتفع تكاليف النقل، وتتأثر سلاسل التوريد سلباً. كما أن العلاقة بين الماء والطاقة علاقة وثيقة، إذ تستلزم محطات الطاقة الحرارية استخدام المياه لتبريد معداتها، وبذلك صارت إدارة الموارد المائية عنصراً أساسياً في حماية الاقتصاد وضمان استدامته.

أزمة مياه تتجاوز الحدود

وفي خضم هذا المشهد العالمي، تحظى التجربة السعودية باهتمام خاص. فقد أدرك سكان الجزيرة العربية قديماً قيمة البئر والدحل والغدير والمطر والسيول، وعانوا مشقة الحصول على الماء بوسائل بدائية. ومع تغيّر الزمن والأدوات، انتقلت المملكة من مرحلة البحث عن الماء إلى صناعة مصادره وإدارة موارده.

فعلى السواحل السعودية، أُقيمت مشروعات ضخمة لتحلية مياه البحر، وتوسعت شبكات النقل والإمداد، وتطورت تقنيات معالجة المياه وإعادة استخدامها. ووفقاً للأرقام التي كشف عنها وزير البيئة والمياه والزراعة في يوليو 2026، انخفض استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة من نحو 21 مليار متر مكعب في 2016 إلى نحو 11 مليار متر مكعب في 2025، في حين ارتفعت القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة من نحو 9 ملايين إلى نحو 16 مليون متر مكعب يومياً، وزادت السعة التخزينية الاستراتيجية بأكثر من 125%.

إنجازات ملموسة في المملكة

تعكس هذه الأرقام نجاح المملكة في إدارة مورد حيوي في بلد يتسم بندرة الموارد المائية، وتفتح آفاقاً أرحب أمام العالم في مجالات البحث العلمي وتطوير تقنيات التحلية، ورفع كفاءة الشبكات، وزيادة الاستفادة من المياه المعالجة، وتوظيف التقنيات الحديثة للحد من الهدر وإدارة الطلب.

ولم يقتصر هذا النجاح على الداخل؛ إذ أعلنت المملكة في سبتمبر 2023 تأسيس «المنظمة العالمية للمياه» ومقرها الرياض، بهدف تنسيق الجهود الدولية وتطويرها لمواجهة تحديات المياه. وجاء قرار مجلس الوزراء بتسمية عام 2027 «عام الماء» امتداداً لهذا التوجه، وتعزيزاً للأمن المائي والإدارة المستدامة للموارد، ودعماً للابتكار والاستثمار والشراكات في هذا القطاع الحيوي.

رسالة إلى الأجيال القادمة

وبينما تقف «أحجار الجوع» في قيعان أنهار أوروبا حاملةً رسائل أقوام عرفوا الجفاف قبل قرون، ومع تزايد رقعة الجفاف في أصقاع مختلفة من العالم، يبقى على جيلنا اليوم أن يوجّه رسالته إلى الأجيال المقبلة: موارد أُحسن إدارتها، وتقنيات أكثر تقدماً، واستهلاك أكثر وعياً، ومعرفة تسهم في حماية حاضر الماء ومستقبله. فما خلّفه الماضي من شواهد على شح الماء والجفاف والتصحر هو تحذير، وما نتركه نحن للأجيال الحاضرة والقادمة ينبغي أن يكون جواباً عليه. فالحضارات عرفت قيمة الماء منذ بداياتها، ومستقبلها يظل رهناً بحسن تدبيره.