سعيد صالح.. رحيل أيقونة الكوميديا الذي حطم أرقام السينما والمسرح

مدرسة المشاغبين: فصل استثنائي في تاريخ الكوميديا العربية
لا تزال برمجة القنوات الفضائية العربية خلال الأعياد تعيد تقديم مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي باتت علامة فارقة في تاريخ المسرح العربي الحديث. لم تقتصر أهمية هذا العمل على كونه عملاً كوميدياً متميزاً، بل كان بمثابة بوابة ذهبية لمواهب شابة غزيرة، فتحت لهم أبواب الشهرة والنجومية على مصراعيها.
من خلال هذه المسرحية، تعرّف الجمهور عن كثب على الفنان عادل إمام، وقدم النجم أحمد زكي أوراق اعتماده للمسرح العربي، بينما حفظ الناس اسم يونس شلبي أيقونة الكوميديا. كما ألقى الممثل المقلّ المجوّد هادي الجيار كلمته في فصولها، بينما لفت الانتباه الشاب سعيد صالح الذي كان سريعاً في تقديم موهبته الفذة، معتمداً على صبره في تجربته المسرحية الثانية بعد مسرحية «هالو شلبي».
سعيد صالح: مسيرة حافلة ومحطات فارقة
أحدثت «مدرسة المشاغبين» هزة قوية في المسرح العربي مع بداية سبعينيات القرن الماضي، واستمر نجاح عروضها المتدفقة لسنوات طويلة. أصبح اسم سعيد صالح محفوراً في القلوب والألسنة، خاصة تعليقات الطالب الشقي «مرسي الزناتي» مع أستاذته سهير البابلي ومدير المدرسة حسن مصطفى، التي لا تزال راسخة في الذاكرة ويتداولها الجميع في مجالسهم.
سعيد صالح، الحاصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة، لم يكن ممثلاً عادياً. أثرت فيه فترتا سجنه السياسي عام 1983م، وفترة اتهامه بتعاطي المخدرات عام 1991م تأثيراً كبيراً. أوقفت النكسة الثانية تحديداً تقدمه المسرحي والسينمائي، رغم ثنائيته الناجحة مع عادل إمام في أعمال لا تُنسى، ونجاحه الكاسح في مسرحيات «العيال كبرت» و«نحن نشكر الظروف» وغيرها.
رحيل أسطورة الكوميديا في صمت
أغمض سعيد صالح عينيه للمرة الأخيرة عن عمر يناهز 76 عاماً، بعد صراع مرير مع المرض في مستشفى المعادي للقوات المسلحة بالقاهرة. ارتدت السينما العربية السواد وأعلن المسرح الحداد برحيله. يُحسب له أنه حطم الرقم القياسي بمشاركته في أكثر من خمسمائة فيلم، تمثل ثلث إنتاج السينما المصرية منذ انطلاقتها، كما عمل بأكثر من ثلاثمائة مسرحية. رحل وهو مشتاق لنص ساحر وسيناريو ساخر.
إرث فني لا يُنسى
تراجعت أسهم سلطان الكوميديا كثيراً في العشرين سنة الأخيرة قبل رحيله. لو استمرت مسيرته بنفس تألق ونجاح الثمانينيات الذي لم يعرف حدوداً، لما وجد عادل إمام طريق الزعامة مفروشاً بالورود. رحل «أبو هند» في وقت أصبحت فيه السينما المصرية تتسابق لإنتاج «أفلام المقاولات»، بينما تراجع المسرح ولم يعد يقود حركة التغيير والاستنارة، ولم يعد يهبش عصب قضايا الناس وهموم الأمة بما يقدمه من كوميديا مليئة بالمواجع وغنية بالرسائل ومحتشدة بالمعاني والمفارقات. انسل سلطان الكوميديا سعيد صالح، أو المشاغب الأكبر «مرسي الزناتي»، في هدوء تام تاركاً مسيرة مليئة بأعمال مميزة جديرة بالاحترام.
سلام يا صاحبي..!



