الرئيسيةمحلياتالتحذير من إحياء النعرات القبلية والأسرية...
محليات

التحذير من إحياء النعرات القبلية والأسرية في الفضاء الرقمي السعودي

لم تشكل القبيلة أو الأسرة في أي وقت مضى عائقاً أمام المجتمع السعودي، كما أن الفخر بالأصل والتاريخ ليس موضع انتقاد؛ فالقبائل والأسر تمثل جزءاً جوهرياً من تاريخ المملكة وبنيتها الاجتماعية، وقد ساهم أبناؤها في بناء الدولة والذود عنها وخدمتها. بيد أن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الفخر المشروع إلى تعصب وتعالٍ وتشكيك في الأنساب واحتقار للآخرين، وإثارة لعصبيات اندثرت بفعل الزمن وجمع شمل الوطن أبناءه.

مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الحديث في الأنساب والتاريخ مقتصراً على المتخصصين وأهل الدراية، بل دخل هذا المجال الجاهل والمتعصب، وكذلك بعض المتعلمين الذين يحملون شهادات لكنهم يفتقرون إلى الوعي بخطورة الكلمة. وهنا يكمن الخطر؛ فالجاهل قد ينشر الفتنة بجهله، أما المتعلم عندما يوظف معرفته لتغذية العصبية فإنه يمنح الفتنة غطاءً من الحجج والمصطلحات والتأويلات، مما يجعل ضرره أوسع وأثره أعمق.

فتنة رقمية تنبش التاريخ

نشهد أحياناً حسابات ومنصات تثير أحداثاً تاريخية، أو تتجادل في الأنساب، أو تتعمد التفاخر والاستفزاز، ثم يتسابق أصحابها ومتابعوهم في الرد والرد المضاد، حتى يتحول الاختلاف حول رواية تاريخية إلى تبادل الاتهامات والإساءات بين أبناء وطن واحد. والأكثر خطورة أن البعض يختبئ وراء شعار «الدفاع عن القبيلة أو الأسرة»، وكأن الدفاع عنهما يتم بإهانة الآخرين أو التشكيك في أنسابهم أو إحياء صراعات انتهت منذ أجيال.

فالقبيلة أو الأسرة لا تحتاج إلى جاهل يسيء إليها باسم الدفاع عنها، ولا إلى متعصب يحول تاريخها إلى أداة للتفرقة بين أبناء وطنه. لقد منح الله المملكة نعمة اللحمة الوطنية العظيمة، التي جمعت أبناء القبائل والأسر والمناطق تحت راية دولة واحدة وقيادة واحدة ومصير واحد. وهذه الوحدة ليست مجرد قيمة اجتماعية، بل هي أصل قرره النظام الأساسي للحكم في مادته الثانية عشرة: «تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام».

أثر النعرات على صورة الوطن

لا يقتصر أثر هذه النعرات على أصحابها أو متابعيهم؛ فالمظهر العام الذي تخلقه في الفضاء الإلكتروني قد يقدم للمتربصين بالوطن صورة مشوهة توحي بالتنازع والانقسام داخل مجتمع متماسك، ويمنحهم مادة قابلة للاقتطاع والتضخيم والاستغلال في الإساءة إلى المملكة ووحدتها الوطنية. ومن هنا تصبح مسؤولية الكلمة أكبر؛ لأن ما يظنه صاحبه سجالاً عابراً بين قبيلة أو أسرة وأخرى قد يتحول في الفضاء المفتوح إلى مادة يستثمرها من لا يريد لهذا الوطن وأبنائه خيراً.

لذلك، لا ينبغي النظر إلى إثارة النعرات القبلية أو الأسرية على أنها مجرد جدال عابر في مواقع التواصل، متى تجاوزت حدود الرأي إلى أفعال مجرمة نظاماً. فقد جرّمت الفقرة الخامسة من المادة الثالثة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات، بعقوبة تصل إلى السجن مدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

العقوبات النظامية والوعي المجتمعي

كما نصت الفقرة الأولى من المادة السادسة من النظام ذاته على عقوبة تصل إلى السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، وغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، على إنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين ما من شأنه المساس بالنظام العام عبر الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي، متى توافرت أركان الجريمة وانطبقت أحكام المادة على الواقعة. وتناولت المادة التاسعة من النظام التحريض أو المساعدة أو الاتفاق على ارتكاب الجرائم المنصوص فيها، وفق الأحوال والضوابط التي حددتها.

وبالتالي، فإن الحزم مع مثيري النعرات القبلية والأسرية ليس تضييقاً على التعبير، بل حماية للمجتمع ووحدته وسلامه الاجتماعي؛ فالتعبير عن الرأي لا يعني الإساءة، والاعتزاز بالنسب لا يبرر الطعن في أنساب الآخرين، والانتماء إلى القبيلة أو الأسرة لا يمنح أحداً حق إشعال الخصومات بين أبناء وطن واحد. نحن بحاجة إلى وعي اجتماعي يرفض هذا الخطاب، وإلى تطبيق حازم للأنظمة متى تجاوزت الممارسات حدود الرأي المشروع إلى الفعل المجرم؛ لأن الفتنة قد تبدأ بتغريدة أو مقطع أو كلمة، ثم تتسع دائرتها بما يصعب معه تقدير آثارها.

فليعتز كل إنسان بأصله وقبيلته أو أسرته، ولكن ليعلم أن الوطن أكبر من الجميع، والوحدة الوطنية فوق كل انتماء فرعي؛ فالقبائل والأسر مصدر قوة حين تجتمع تحت راية الوطن، أما العصبية فتتحول إلى خطر حين يجعلها الجاهلون والمتعصبون جدراناً تفصل بين أبنائه.