من أنقاض غزة إلى ابتكارات البقاء: كيف حول السكان الدمار إلى موارد

إعادة تدوير الأنقاض ومواد البناء
من ركام المباني يصنع السكان قوالب بناء تتشابه مع قطع ليغو، بعد سحق الخرسانة وفرزها وخلطها بالتربة المحلية ومواد رابطة بديلة ثم ضغطها في آلة محلية الصنع. هذه القوالب لا تحتاج ملاطاً تقليدياً عند التركيب، ما يقلل الاعتماد على الإسمنت النادر. ورشة “غرين روك” التي يديرها سليمان أبو حسنين تنتج بين ألف وخمسمائة قالب يومياً، يكفي نظرياً لبناء مأوى صغير خلال أسبوعين، وتقل كلفتها بنسبة تتراوح بين خمسين وستين بالمئة مقارنة بالبناء التقليدي، لكنها ما تزال تجريبية ولم تُختبر على أحياء كاملة، ويجب فحص الركام للتخلص من المواد الخطرة والذخائر غير المنفجرة قبل الاستخدام.
يُستخرج عمال آخرون قضبان حديد من المباني المنهارة، يقومون بتقويمها وإعادة استخدامها في هياكل للخيام والمساكن المؤقتة أو بيعها لتوفير دخل للأسر؛ سعر القضيب الواحد يصل إلى خمسة عشر دولاراً وفق رويترز. أما الخشب فبات نادراً لدرجة أن النجارين يفككون طبليات المساعدات ويحولونها إلى أسرة وخزائن وطاولات ورفوف؛ غرفة بسيطة من الطبليات تُباع بأربعة إلى خمسة آلاف شيكل مقابل نحو ثمانية عشر ألفاً لغرفة تقليدية، وارتفع سعر كيلوغرام المسامير من خمسة شواكل قبل الحرب إلى ما بين مائة وثلاثين شيكلاً. السرير في مخيمات النزوح ليس رفاهية بل يرفع الأطفال والملابس عن الأرض والرمال والقوارض والحشرات، يوفر حداً أدنى من الحماية داخل الخيام.
استخدم الصيادون إطارات الأبواب المستخرجة من تحت الأنقاض لتحويلها إلى أجزاء من قوارب صغيرة، إلى جانب ألياف زجاجية قديمة المعاد استخدامها. سعر كيلوغرام الألياف الزجاجية ارتفع من خمسين إلى ستين شيكلاً قبل الحرب إلى نحو ثمانمائة شيكل، ما جعل إصلاح القوارب الكبيرة شبه مستحيل؛ لذلك أصبحت قوارب النزهات الصغيرة أحد آخر شرايين قطاع الصيد.
حلول الطاقة والطب البديل
في خان يونس صنعت المهندسة الزراعية إيناس الغول موقداً شمسياً من صندوق خشبي وزجاج محطم ومرايا تجمع الأشعة داخل حيز الطهي؛ يمكن نقل الموقد إلى أسطح المنازل أو مناطق النزوح واستخدامه للطهي والقلي من دون غاز أو كهرباء. استخدمت المواد نفسها تقريباً لبناء جهاز بدائي لتقطير المياه: يسخن ضوء الشمس الماء المالح داخل حوض مغطى بالزجاج، ثم يجمع بخار الماء بعد تكثفه ويمرره عبر أوعية تحتوي على الفحم النشط. يعمل الجهاز من دون كهرباء أو ألواح شمسية، مستفيدا من نحو أربع عشرة ساعة من سطوع الشمس صيفاً وثماني ساعات شتاءً، لكنه يحتاج إلى اختبارات مخبرية منتظمة قبل اعتباره بديلاً عن محطات التحلية وشبكات المياه.
في أماكن أخرى حلت الطاقة العضلية محل الكهرباء؛ ربط الخياط رعد سعد عجلة دراجة هوائية بماكينة خياطة داخل بقايا مصنعه المدمر، ويتولى ابنه تحريك الدواسات بينما يقوم الأب بالخياطة. ظهرت هذه الطريقة مرة أخرى في ورش ترميم فساتين الزفاف القديمة خلال 2026.
وصلت هندسة الضرورة إلى غرف الإنتاج الطبي؛ أعلن فريق فلسطيني بالتعاون مع منظمة “غليا” الطبية إنتاج مثبت خارجي للكسور داخل غزة، باستخدام مكونات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد ومواد محلية وبلاستيك معاد الاستخدام، بينما تعمل الطابعات بالطاقة الشمسية. استخدم الجهاز منذ أغسطس 2025 لعلاج ثلاثة مصابين كانوا معرضين لخطر البتر أو العجز الدائم، بينما كان اثنا عشر مريضا آخرين ينتظرون العلاج وقت الإعلان. تكلف النسخة المستوردة عادة أكثر من خمسمائة دولار، بينما يتيح التصميم المفتوح إنتاج أجزائه محلياً خلال ساعات؛ تبقى هذه الأرقام خاصة بالجهة المطورة وتحتاج النتائج السريرية الأوسع إلى متابعة مستقلة.
التحديات والاحتياجات المستقبلية
وثقت رويترز تحويل النفايات البلاستيكية بالتسخين إلى وقود بدائي للمولدات والمركبات؛ يوفر ذلك بديلاً في حالات النقص الحاد لكنه يعرض العاملين والسكان لخطر الحروق والأبخرة السامة، خصوصاً إذا جرت العملية داخل الأحياء المكتظة ومن دون معدات لمعالجة الانبعاثات.
تظهر أرقام الأمم المتحدة أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة قدر حجم الركام في قطاع غزة بنحو واحد وستين مليون طن، ما يعادل من حيث الحجم نحو fifteen هرماً من أهرامات الجيزة؛ حوالي خمسة عشر بالمئة من الأنقاض قد تكون ملوثة بالأسبستوس والمعادن الثقيلة والنفايات الصناعية والطبية، مع وجود ذخائر غير منفجرة بين المباني المهدمة.
أظهر أحدث دراسة شاملة لمركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية “يونوسات”، استناداً إلى صور التقطت في 11 أكتوبر 2025، تضرر نحو واحد وثمانين بالمئة من مباني القطاع؛ أحصى المركز مائة وثمانية وتسعين ألفاً ومئتين وثلاثة وسبعين مبنى متضرراً، منها مائة وثلاثة وعشرين ألفاً وأربعمائة وستة وأربعين مبنى مدمراً بالكامل، وقدر عدد الوحدات السكنية المتضررة بأكثر من ثلاثمائة وعشرين ألف وحدة.
أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 أن مشروعاً نفذه خلال عامي 2025 و2026 جمع نحو مائة واثني عشر ألف طن من الأنقاض، وأعاد استخدام المواد المعالجة في صيانة الطرق وتقوية أرضيات المآوي؛ تعمل كسارة تابعة للبرنامج في منطقة الأمل بخان يونس بطاقة تصل إلى ألف طن يومياً. يقدر البرنامج أن إزالة معظم الركام قد تستغرق سبع سنوات في حال توفر الوقود والآليات الثقيلة وحرية الوصول واستقرار الأوضاع، بينما يحتاج بدء المسار الموسع إلى نحو مائة وعشرة ملايين دولار.
رغم هذه الابتكارات، لا تجعل النماذج المذكورة الدمار فرصة اقتصادية ولا تعني أن سكان غزة يستطيعون إعادة بناء القطاع بأدواتهم alone؛ قدر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، نشر في فبراير 2025 واستند إلى أضرار أقدم من أحدث تقديرات الدمار، احتياجات التعافي والإعمار بنحو ثلاثة وخمسين مليار دولار.
إنها ليست معجزة تعفي العالم من مسؤولية الإعمار، بل شهادة على “هندسة الضرورة”: حين يغيب الوقود يصبح ضوء الشمس موقداً، وحين تختفي مواد البناء يصبح المنزل المدمر مصدراً للطوب والحديد، وحين تنقطع المعدات الطبية يتحول البلاستيك المستعمل إلى جزء من جهاز ينقذ ساقاً من البتر.



