خمسة أعوام على رحيل والدي: تأملات في يوم الأب

تزامن احتفال يوم الأب العالمي هذا العام مع ذكرى وفاة والدي، فأخذت أسترجع ذكرياتي لتلك الفترة، ليس لاستحضار لحظة الفراق، وإنما لاستعراض ما تركه غيابه من أثر داخل نفسي. الأيام لا تعيد من رحلوا، لكنها تكشف مع مرور الوقت عن جوانب لم نكن ندركها حين كانوا معنا.
اكتشاف تفاصيل لملاحظة من قبل
بعد أن ودّع والدي، بدأت ألاحظ أمورًا لم أكن ألفت انتباهي لها من قبل. عندما أواجه موقفًا عائليًا معقّدًا، يخطر ببالي سؤال واحد: كيف كان والدي سيتعامل مع هذا الموقف؟ وعندما أحقق هدفًا كنت أطمح إليه، يشتد شعوري بأن أول من أردت مشاركة فرحتي معه لم يعد موجودًا. عندها أدركت أن بعض الآباء يغادرون أجسادهم، لكنهم يواصلون إرشاد أبنائهم من خلال القيم والمبادئ التي زرعوها فيهم.
ذكريات الحياة اليومية
ما يظل عالقًا في ذاكرتي هي تفاصيل الروتين اليومي: صوته وهو يستفسر عن أحوالنا، نظراته التي كانت تهدئنا قبل أن تتبعها كلمة، حضوره الدائم في المجلس، وحرصه على جمع أفراد الأسرة. تلك اللحظات التي بدت عادية في حينها، تبين لاحقًا أنها كانت تضفي روحًا على البيت وتمنح أبنائه إحساسًا بالأمان.
إعادة تعريف معنى الأبوة
مع مرور السنين، تطور فهمي لدور الأب. لم يعد الأب مجرد عامل يكسب ويصرف، بل هو من يتحمل هموم أسرته بصمت، ويؤجل راحته من أجل راحتهم، ويمنحهم الثقة قبل المال، والاستقرار قبل أي شيء آخر. كثيرًا ما يكتشف الأبناء حجم هذا العطاء عندما يجدون أنفسهم يواجهون الحياة من دون وجوده.
يوم الأب: فرصة للمراجعة
إن يوم الأب لا يُعَدّ مجرد مناسبة احتفالية، بل هو مناسبة لتقييم علاقتنا بآبائنا. فهناك آباء ما زالوا على قيد الحياة ينتظرون زيارة لا تستغرق إلا ساعة، أو مكالمة تُطمئنهم أن أبنائهم بخير، أو جلسة عائلية يستمعون فيها إلى حكايات من تعبوا من أجلها. هذه اللحظات البسيطة قد تكون بالنسبة لهم أعظم من أي هدية، لأنها تؤكد أن مكانتهم ما زالت محفوظة في قلوب أبنائهم.
أما من فقد والده، فيدرك أن البر لا ينتهي بحدود الفراق. باب الدعاء يظل مفتوحًا، والصدقة مستمرة، وروابط الرحم التي كان يعتز بها لا تزول، وكل سلوك حسن تعلمناه منه يبقى صورة من صور الوفاء. هكذا يتحول الغياب من ألم خالص إلى مسؤولية: الحفاظ على أثره وإبقاء سيرته الطيبة حاضرة في حياتنا.
وأنا شخصيًا، كلما حل عام جديد أزداد يقينًا أن والدي لم يترك لي مجرد ذكرى، بل ترك لي منهجًا أستند إليه كلما تعثرت خطواتي. وهذا، في نظري، هو أسمى ما يمكن أن يورّثه الأب لابنه.
رحم الله والدي، ورحم جميع الآباء الذين فارقوا الحياة، وحفظ الله الآباء الأحياء. فإن كان لك والد بجوارك فاغتنم هذه النعمة، وقدِّم له من وقتك واهتمامك ما يستحقه. أما إذا فقدت والدك، فاستمر في الدعاء؛ فهو لغة البر التي لا تنقطع، وجسر المحبة الذي يمتد إلى ما بعد الفراق.



