صديق مدثر... شاعر استنطق الصخر وغاب في زمن الابتذال

في زمن باتت فيه الكلمة الأعلى للركاكة، وتمدد الابتذال، وساد السقوط، يعود الحديث عن الشاعر السوداني الراحل صديق مدثر، ذلك الذي جعل من خياله الشعري وسيلة لارتياد الثريا، واستنطاق الصخر العصي. فبينما كان شعره يتسلق قمم الجمال والبلاغة، نزلت الأغنية العربية المعاصرة إلى أسفل سافلين، لتستبدل “خيال الشعر يرتاد الثريا” بعبارات لا تمت للشعر بصلة.
خيال الشعر بين الثريا والوحل
كان صديق مدثر، الشاعر النحرير الراحل المقيم، قد كتب كلمات لا تنسى، منها “ضنين الوعد” التي تغنى بها العلامة عبد الكريم الكابلي. فلو لم يكتب سواها لشهد له النبوغ والعبقرية، ولأعطي كامل حقوق البلاغة والامتياز في الأغنية العربية قبل السودانية. لكن الأيام لم ترحم إرثه، فبين شعره الذي يقول “إن تكن حُسنك مجهول المدى فخيال الشعر يرتاد الثريا”، وصلت الأغاني إلى مفردات هابطة مثل “ارفع ايدك فوق لو مضايق هتروق” و”فرتكة فرتكة على الطبلة”.
هبوط المفردة من الوقار إلى الإسفاف
لقد خلعت المفردة ثوب الوقار والجمال لتتمرغ في الوحل. فبدلاً من تلك الكلمة التي كانت تُغذى من دم الشاعر حتى تغدو “ذات جرس يأسر الأذن شجيا”، أصبحت الكلمة تُدس من الأسر، وتُرفق بها عندما يكتفي الشعراء بوصمها بالهابطة، والمفسدة للذوق العام، والمغذية لخطوط التفلت الحمراء. هؤلاء “شعراء الغفلة” غذوا الكلمة من دماء الإسفاف والابتذال والركاكة والسطحية، ففارق العالم زمن كل مفردة كانت تأسر الأذن.
جيل لا يعرف قدر صديق مدثر
من المؤسف أن كثيرًا من أبناء الجيل الحالي لا يعرفون قدر إبداع صديق مدثر، وعلو هامته، ومديد قامته. هم منشغلون بحفظ نصوص أغنيات لا تملك خواص التداول في الساحة الفنية، وتستحق أن تعلق عليها ديباجة “أعمال منتهية الصلاحية”. بل إن أجمل أشعار المدثر هي تلك التي لم يتغن بها أحد، وأجمل الأشعار المغناة من كلماته.
صديق مدثر… وسام الفخر وحق الريادة
تغنى بصديق مدثر عدد كبير من المطربين، ومن لم يغن من أشعاره إما أنه فنان غير محظوظ، أو مغنٍ غير ذواق لا يعرف جماليات اللغة العربية وروعة الصور الشعرية. لقد وضع صديق مدثر وسام الفخر على صدره، وباهى بشاعريته في وجه كل شيء، حتى أمام الجمال الصارخ الفتاك الذي لا يملك المرء أمامه سلاحًا ومقاومة. منح الخيال حق الريادة، وجعله أعلى مرتبة من الواقع الذي يمكن أن تملكه وتضعه بين يديك. وهو يصدح مباهيًا: “إن تكن أنت جميلًا، فأنا شاعر يستنطق الصخر العصي، إن تكن أنت بعيدًا عن يدي فخيالي يدرك النائي القصي”.



