الرئيسيةكتاب و آراءفوكو ونماذج الذات الحديثة: بين الواجب...
كتاب و آراء

فوكو ونماذج الذات الحديثة: بين الواجب والممارسة والسلطة

في تحليله لتأويل الذات، رسم ميشيل فوكو تصوّراً للذات الإنسانية يتأرجح بين نموذجين رئيسيين: نموذج الواجب الحقيقي، ونموذج الواقع المجازي. فالنموذج الأول، الذي يعود إلى ما قبل سقراط، يمثّل الواجب الحقيقي للذات. أما النماذج المسيحية والأفلاطونية، فتنتمي إلى فئة الواقع المجازي، وفقاً لرؤية فوكو.

الذات في عصر الحداثة: نموذجان مجازيان

ثم انتقل فوكو إلى الحديث عن الذات في عصر الحداثة، مفرّقاً بين نموذجين مجازيين واقعيين أيضاً: النموذج الديكارتي والنموذج الثوري. فالنموذج الديكارتي، المنسوب إلى الفيلسوف ديكارت، يشتهر بمقولة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، حيث اعتمد على تقنية معرفة الذات عبر التفكير. غير أن هذا النموذج اكتفى بالمعرفة النظرية دون الممارسة العملية الفعلية. فالذات هنا ليست ممارسة تربوية-روحية، بل هي مجرد معرفة. وقد ترك هذا النموذج أثراً عميقاً على مسار الفلسفة في العصر الحديث.

أما النموذج الآخر فهو الذات الثورية، التي نشأت من الأحداث السياسية الفرنسية، حيث تمارس ذاتها دون حاجة إلى معرفة الذات. يبدو أن فوكو يريد القول إن الحداثة، في جوهرها، فصلت بين النظر والممارسة، مما أنتج هذين النموذجين المنفصلين: الديكارتي (النظري) والفرنسي-السياسي (العملي). وهذه النماذج، في نظر فوكو، هي تشكيلات خطابية تنبع أصلاً من علاقات القوى، وهي تُنتج خطاباً غير حقيقي، لأنها ذوات غير حقيقية بل مجازية، وهذه الذوات هي التي مثلت الذات الحديثة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن فوكو يرسم نماذج للحداثة الغربية بشكل عام انطلاقاً من الواقع الفرنسي، وهي ملاحظة قد تجد تحليلاً أوسع عند الباحث فابياني.

دراسة نماذج الحداثة: خطابات قوى لذوات غير حقيقية

إن دراسة نماذج الحداثة والنماذج المعاصرة، وفق هذا المنظور، تعني دراستها باعتبارها خطابات قوى لذوات غير حقيقية، غير محصورة في مكان أو زمان (على افتراض التسليم بما قاله فوكو، وتجاهل التحيز لفرنسا). أي أنها نماذج سلطوية، شكلت ذواتاً بخطابات سلطوية، وساهمت في تشكيل المجتمع عبر المؤسسات. وهذه المؤسسات هي وسائل للتعليم والتربية، تعمل على الضبط وإنتاج المعرفة، وهذه هي علاقة السلطة بالمعرفة.

وفق هذه النظرة، درس فوكو النماذج السلطوية في المؤسسات الحداثية، فحلل كلاً من: السجن (علاقة المسجون بالسجان)، والمصحة العقلية (علاقة المريض بالطبيب)، والمدرسة (علاقة التلميذ بالمعلم). وأوضح أن هذه المؤسسات ليست هادية ولا مربية بالمعنى الحقيقي، لأن شرط القيادة أو الهداية أو التربية يقوم على علاقات تأثيرية بالاختيار، ولا تتطلب نمذجة وضبطاً، وتوجه نحو الذات لا خدمة أغراض أخرى. أما هذه المؤسسات (السجن، المصحة العقلية، المدرسة) فمبناها على علاقات قهرية؛ فرغم أن علاقة الطبيب بالمريض قد تبدو مؤثرة ومسيطرة، تأمر وتنهى بلطف، إلا أن حقيقتها هي إعادة تشكيل المريض، وكذلك الحال في المدرسة والسجن.

العقل العلمي في الحداثة: عقل توجيهي لا عناية بالذات

العقل العلمي في الحداثة الغربية، في أصله، هو عقل عملي مبني على سيادة العمل؛ فهو عقل توجيهي يضبط ويراقب وينتج لغرض معين، وليس عقل ممارسة للعناية بالذات. فالتذاوت أو خطاب التذويت غير موجود في هذه الحقبة الزمنية، لأنها أسست العلاقات الإنسانية على السلطة، واهتمت بالإنسان بوصفه موضوعاً. فهي حقبة زمنية جعلت من الإنسان موضوعاً للدراسة، نتيجة لهذه التشظية بهدف إحكام الضبط والمراقبة، عبر تخصيص كل مجال إنساني بهذه العلاقات. وهكذا انبثقت علوم الإنسان وتنوعت، للتعرف على الذات المراد ضبطها، وما يعيق إنتاجيتها، والنظام القانوني للضبط الحاكم تشريعاً وتنفيذاً.

الخلفية الماركسية ونقد الرأسمالية

في كتابه “إرادة المعرفة: الجنسانية 1″، يُظهر فوكو خلفيته الماركسية في التقديم والتحقيب والثنايا، مقارناً بين الحداثة والرأسمالية. فالسيادة للعمل في هذه الحقبة الحداثية، منذ القرن السابع عشر الذي أسماه “عصر القمع”، وهي حقبة ترتبط بعمق بالنظام البرجوازي، الذي يراقب الإنتاج وأنماطه، ومن ثم يتحكم في حياة المنتجين من العاملين، وما يرتبط بذلك من تكاثر يدعم سيادة العمل واستمرار الإنتاجية، وتكاثر يغرق البيئة العمالية. وبناءً عليه، مثّل موضوع الجنس في هذه الحقبة علماً جديداً، من أجل الضبط والمراقبة، لاستغلال قوة العمل بطريقة ممنهجة، والتصرف في المتع حسب دعمها للعمل والإنتاج أو العكس. والجنسانية هي أحد العلوم التي أنتجتها الحداثة في حقول العلوم الإنسانية، من حيث إمكانية التحكم والضبط. فدراسته للجنس في زمن الحداثة تمثل انعكاساً لصورة هذا الزمن، بوصفه زمن قمع يتخذ الإنسان موضوعاً.

وبسبب خلفيته التكوينية في الأنثروبولوجيا والتاريخ، حاول فوكو تقديم أطروحته الناقدة للرأسمالية، مصوّراً المجتمع برؤية كونية شديدة الاختلاط بالماركسية (كما انتقده عليه إعجاز أحمد، لتخليه عن أصالة الماركسية)، دون أدوات منهجية ميدانية، بل بوثائق اتخذها وسيلة لتثبيت قفزاته غير المنهجية علمياً، ومن ثم تقديم رؤية وأدوات وأفكار دعمها لاحقاً الحضور الماركسي الثقافي الأكاديمي، وما زالت مستمرة حتى اليوم. حتى أصبح ما يسمى بـ “نقد الحداثة” يحتاج إلى تفكيك، والسؤال الأول: ما المقصود بالحداثة؟ هل هي الرأسمالية؟ ومن هم نقاد الحداثة؟ هل هم أصحاب الخلفيات الماركسية؟

وتوصية أخيرة: إن الأطروحات المتكاثرة التي تستخدم أدوات ميشيل فوكو، لا بد أن تعود إلى مؤسسات هذه الأدوات، من مفاهيم نحو الذات، وخلفيات أيديولوجية كالماركسية.