الرئيسيةمحلياتمكة المكرمة: منارة للالتقاء الثقافي والروحي
محليات

مكة المكرمة: منارة للالتقاء الثقافي والروحي

في عالمنا الإسلامي، تظل الأنظار متجهة نحو مكة المكرمة، مهبط الوحي ومنطلق الرسالة ومصدر النور. في رحابها الطاهرة، تذوب الثقافات في بوتقة واحدة وتلتقي في عناق روحي ثقافي يلغي كل الفوارق. هناك، في ساحة الطهر في عرصات أم القرى، وفي عوالم تختلف تماماً عن غيرها بدلالاتها ومعانيها، تتسع المكانة لتشمل الإنسانية جمعاء، بعد أن يضعنا صوت السماء على أثر الرجع الأول: «كلكم لآدم». هذا الصوت يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.

الالتقاء الثقافي وبناء المشترك الإنساني

في رحاب هذا الالتقاء الثقافي الواسع، الذي يتيح فضاءً أوسع للعلاقات الإنسانية ويؤدي إلى بناء إيجابي للمشترك الكوني، وفي تلك الرحاب الطاهرة حين صدح صوت الحق الذي يرفع من شأن الإنسان وقدره دون النظر إلى نسبه أو عرقه أو لونه، فلا ينظر إلى جاهه الموروث ولا إلى ماله المكتسب، بل إلى عطائه كمستخلف في الأرض، وإلى سعيه نحو المعنى. في مكة المكرمة نلتقي معنوياً وروحياً وبشكل يومي حيث بيت الله الحرام وقبلة المسلمين والشعائر المقدسة.

البعد الثقافي والروحي في مكة

دون أن نتأمل تضاريس المكان وأبعاده الجغرافية كأرض قفر، ينسرب في أعماقنا بعدها الثقافي، ونتجسد القيم الإنسانية النبيلة، ونستشعر الإخاء، وندرك معنى الرخاء في سعي دائم للمحبة والسلام. وكيف يجب أن نتعايش ثقافياً مع البعدين الثقافي والروحي باعتبار عطاء الإنسان ودوره في الحياة. ولا أدل على ذلك من أن نستشعر قصر المسافة مع مكة والبيت الحرام من كل أصقاع الأرض حين نتجه بروحانية خالصة فنولي وجوهنا شطر البيت الحرام، فلا ننشد إلا المحبة والأمن والطمأنينة والسلام.

الحج: تجسيد للوحدة الثقافية

ناهيك عن الانتظار بشوق لشهر ذي الحجة لنحتفل في موسم سنوي بيوم الحج الأكبر، لنستعيد البعد الثقافي في سياق كلي على أساس من حقيقة صوت السماء: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ» (الحج: 27). ليقف الناس هناك على قدم المساواة بزي واحد وعلى صعيد واحد، ويلتفون حول ثقافة واحدة. مكة المكرمة ليست كغيرها من الوجود، ومنها وإليها يتهادى إلى الأذهان وإلى أعماق النفس بعدها الروحي والثقافي عند المسلمين، وينتفي فيها تماماً رصد الواقع ببعده الجغرافي كوادٍ غير ذي زرع، فالبيت مثابة للناس وأمناً.

دور المملكة في تعزيز البعد الحضاري لمكة

منها يتشكل لنا ذهنياً البعد الثقافي حين نستلهم تنزل الوحي وتسارع خطى الهادي البشير نحو الحكمة والمعرفة. ولهذا دائماً ما يتعلق الإنسان بالمكان المفعم بالنورانية والبعد الثقافي الذي يجعله إنساناً فاعلاً تجاه الناس جميعاً، الأمر الذي ينقل الإنسان من علاقة عادية إلى علاقة معرفية ثقافية باعثة بالصدق والوفاء والشفقة والرحمة والرأفة، كقيم عليا لا بد أن يتمثلها الإنسان السوي، والتي يغلب عليها المشاعر الإنسانية النبيلة وسيادة الخير مع تفاؤل دائم بالخير العميم. ولهذا تختار مكة عن غيرها، فهي تتجاوز ببركتها الوادي القفر إلى غذاء ثقافي قيمي روحي، ويتحقق معها للنفس شعور مختلف يفضي إلى حقيقة المحبة والتعامل الخلاق. هذا الإشباع الثقافي والارتواء الروحي والحضاري ينطلق من صوت الحكمة ليستمر عطاء الإنسان وبناء الأرض وعمارتها، في التقاء بمعين لا ينضب نحو المحبة والسلام. ومن هنا ندرك الدور الريادي الذي تتبناه المملكة في تعزيز البعد الحضاري والثقافي لمكة في كل لقاء تنشُد فيه الخير والمحبة والسلام للإنسانية. وستظل مكة المكرمة منارة عالمية تحفل بالبعد الثقافي بوجهه الواسع وفي شكله الأفقي بامتداد لا ينتهي، ويكتمل في مشهدها العام بما يحفل بمسيرتها الميمونة في ظل قيادتنا الرشيدة وفقها الله.