الناشط الثقافي طارق المالكي يوصي بخمسة كتب متنوعة

في هذه الزاوية، يأخذنا الناشط الثقافي طارق المالكي في رحلة عبر عوالم القراءة، مستعرضاً ما اطلع عليه مؤخراً ويوصي بقراءته.
منسي: صديق الطيب صالح العجيب
يتناول الطيب صالح بريشته الأنيقة صديقه المصري منسي، الرجل العجيب الذي قدم من صعيد مصر إلى حواضر بريطانيا في منتصف القرن الماضي. كانت حياة منسي أشبه بمسرحية ضاحكة، يتحرك فيها البطل طولاً وعرضاً، محدثاً جلبة على المسرح ومفجراً الضحك في قلوب المشاهدين. قادته بوهيميته إلى أحداث جسام لا تخطر على بال أكذب المنجمين، مثل انتحاله شخصية رئيس الوفد المصري الذي جاء إلى بريطانيا للمشاركة في المؤتمر الدوري لبرلمانات العالم، حيث قابل الملكة إليزابيث ودخل معها في حوار طويل بينما وقفت الوفود خلفه كقطار بشري طويل تنتظر دورها للسلام على الملكة، إلى أن تدخل دوق أدنبرة، زوج الملكة الذي كان يقف إلى جانبها، فأمسك بمنسي برفق من ذراعه وأخرجه من الصف، قائلاً له: «أنت صغير السن جداً. كيف أصبحت رئيس وفد دولة كبيرة كمصر؟!».
قريب من البحر بعيد عن الزرقة: ديوان جاسم الصحيّح
هذا الديوان أشبه بسحابة غائمة حانية تظلل الوجدان، فتهطل قصائده مطراً غزيراً، لينبت العشب على جدران القلب ويزهر الياسمين في أنهر الدماء. من سحابة الديوان، يلقي الشاعر المتشجر بالكائنات وهو مرابط على ثغر الحياة، نجمته الأخيرة على الأرض، ويمشي فقيه النور على ريح الكتابة ليمحو الضجر، ويفيض نهر النيل ليغسل جرح بيروت على مقلاة الوجع. يبدو مشهد من بطولة الأنفاس عندما أثقل النعش حامليه، ويفتح قديس البهجة باب القصيدة في حرم الشاعر البدائي، وتحتل الشمس امرأة كان جسدها ملاكاً لم يستسلم لغواية الكعب العالي. تقول تآويل مجرات هجرية إن كل الغيم محجوز لشهيد الغياب في تطعيمة ضد البؤس، كل هذا يظهر على سحابة واحدة من سماء الصحيّح الشعرية.
نقد العقل العربي لطارق حجي: تشريح العيوب الفكرية
يؤمن طارق المالكي إيماناً جازماً بأن عقلية الإنسان هي التي تصنع نهضة أمته، وليست الثروات الطبيعية. ويشير إلى أن العقل العربي المعاصر يجر وراءه عربة التأخر الحضاري في عصر الثورة العلمية الكبرى، وأنه عقل عاطفي مبتلى بجلد الذات بدلاً من نقد الذات، فالنقد هو أهم أداة بناء عرفها العقل الإنساني، كما قال الفيلسوف إيمانويل كانط. يشرح المؤلف العقل العربي بمهارة، واضعاً يده على الالتهابات المزمنة التي يعانيها، مثل المغالاة في مدح الذات، وتمجيد الفرد، والكلام المبالغ فيه، والعيش في الماضي، وتقلص السماحة في تفكيرنا، وهامش الموضوعية المتآكل، والحدية في تصنيف الآخر معنا أم ضدنا، وضيق الصدر بالنقد، والاعتقاد المطلق بنظرية المؤامرة. يعتقد المالكي أن كل فرد لو تنبه لهذه العيوب في ذاته وحاول إصلاحها، لتغير مجرى تاريخ العرب في العصر الحديث.
روشتة خالد المدني: كنز التخطيط والقيم
يعتبر المالكي هذا الكتاب كنزاً من كنوز التخطيط، حيث استطاع الدكتور خالد المدني استخراج هذا الكنز المدفون من جزيرة إبداعية، وتقديمه للقارئ على شكل معلومات وتطبيقات. من أهم ما تناوله الكتاب هو القيم، التي يخلط كثير من الناس بينها وبين الصفات والسلوك، فأزال الغبش عن مفهوم القيم قائلاً إنها مولدة السلوك، مثل أن تلد قيمة العطاء في الإنسان العمل التطوعي، وتلد قيمة الصحة النوم المبكر، وتلد قيمة الثراء العمل التجاري. ويبين أن القيم لا بد أن تتحلى بالإيجابية والمعنوية، فمثلاً الخوف لا يعد قيمة لأنه صفة سلبية، والرياضة لا تعد قيمة لأنها سلوك مادي. صنف المؤلف القيم إلى ثلاثة مستويات: القيم السطحية، والقيم العميقة، والقيم الجوهرية. ويجب على المخطط أن يستنبط قيمه الجوهرية الكامنة فيه، ويستخرج منها الرسالة والرؤية والأهداف، حتى تكون حياته موافقة لما فطر عليه من قدرات واهتمامات، ولا تكون تقليداً لغيره من الأشخاص أو استجابة لتأثيرات مجتمعية.
الوزير المرافق لغازي القصيبي: لقاءات مع قادة العالم
يدخل القارئ مع الراحل غازي القصيبي إلى البيت الأبيض ليشاهد الرئيس نيكسون، الذي يتصرف كما يتصرف الأباطرة. ويدخله مرة أخرى في عهد الرئيس كارتر، الذي كان على النقيض من سلفه، ليشاهد كارتر يحمل حقيبته بنفسه وتلمع ابتسامته في كل مكان. يذهب القارئ مع القصيبي ليشاهدا أنديرا غاندي، التي خلعت رداء رئيسة وزراء الهند وارتدت رداء الحماة، وهي تتحدث بانفعال عن أرملة ابنها سانجاي: «لقد بدأت مشاكلي معها منذ اليوم الأول. كانت ترفض أن تعاونني في أعباء المنزل. ترفض أن تطبخ. أو تقوم بأي عمل منزلي». ويجلس القارئ مع القصيبي أمام وسيلة بنت عمار، زوجة الحبيب بورقيبة، الرئيس التونسي الأسبق، التي جاءت بثوب قطني بسيط وترتدي خفين رخيصين من البلاستيك، ولا يبدو على وجهها أي من مساحيق التجميل، وشعرها الذي يمتزج سوداه بالبياض متروك على علاته. أخذت تتحدث عن زوجها الذي رفض أن يموت والناس تنتظر موته حتى فقدوا الأمل، وأنها لا تتصور تونس بدونه.



