الرئيسيةكتاب و آراءالركود الفكري يُفسد العقل كما تفسد...
كتاب و آراء

الركود الفكري يُفسد العقل كما تفسد المياه الراكدة: حكمة الشافعي في بيت شعري خالد

تتخذ المعرفة الإنسانية منطلقها الأول من لحظة تأمل عابرة؛ كأن يراقب المرء قطته الأليفة وهي تعرض عن وعاء ماء ساكن وضعه لها، لتنتظر طويلاً أمام صنبور جارٍ أو نافورة متحركة. هذه الحركة، التي تبدو عفوية، ليست مجرد نزوة حيوانية، بل هي استجابة غريزية متجذرة في الجينات تحذر القطة من أن المياه الساكنة تشكل بيئة خصبة للبكتيريا والمخاطر، وفق ما توثقه تقارير مركز كورنيل لصحة القطط.

من غريزة القطط إلى حكمة الأجداد

من هذه الملاحظة البيولوجية الدقيقة، ينبثق خيط فكري يصل عالم الحيوان بقصة شعبية قديمة تختزل أثر الجمود على عقول البشر وأخلاقهم. يُروى في الأثر أن حكيماً أراد أن يعلّم أبناءه درساً في اختيار الصاحب والبيئة، فاصطحبهم إلى الغابة. وقف بهم أولاً أمام بركة ماء راكدة، تفوح منها رائحة كريهة، وتحتشد حولها الحشرات، ومياهها عكرة لا يرى قاعها. ثم سار بهم خطوات حتى بلغوا جدول ماء جارٍ يتدفق بين الصخور، مياهه عذبة صافية، والأسماك تسبح فيه بنشاط. سأل الحكيم أبناءه: ما الفرق بين الماءين، وأصلهما واحد من مطر السماء؟ فأجاب أكبرهم: الجدول يتحرك ويجدد نفسه، والبركة وقفت مكانها ففسدت. فابتسم الحكيم وقال: كذلك هي نفوس البشر؛ من وقف مكانه وتأخر عن السعي، فسدت أخلاقه وضاق عقله.

عبقرية الشافعي في بيت شعري خالد

وهنا تتجلى عبقرية ديوان الإمام الشافعي الذي صاغ هذا المبدأ الطبيعي والقصصي في بيت شعري خالد يختزل نواميس الكون، حيث قال: «إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ.. إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ». فالأشخاص الذين يختارون الركود الفكري والتقوقع داخل دوائرهم الضيقة، دون تجديد أو تبادل معرفي، يواجهون نوعاً من العفن النفسي؛ تتراكم في مجالسهم الضغائن، وتضيق آفاقهم، وتتحول علاقاتهم إلى برك راكدة تضر من يقترب منها. في المقابل، يمثل البشر المتجددون «المياه الجارية»، حيث يثمر التنقل والسعي والاحتكاك بالثقافات المختلفة صفاءً في النفس ونضجاً في الوعي.

دعوة لتبني فطرة القطط الذكية

هذه المقارنة تتجاوز حدود الترف الفكري، فهي دعوة لتبني «فطرة القطط» الذكية في فرز العلاقات واختيار البيئات، باعتزال الأماكن التي تصيب الفكر بالخمول والبلادة، والهروب نحو فضاءات الحركة والتعلم. فعندما تتجنب القطة الماء الراكد، فهي تحمي حياتها، وعندما يتجنب الإنسان ركود السعي وركود العقول، فهو يحمي إنسانيته وذكاءه. إنها الطبيعة تعيد تدوير حكمتها دائماً: لكي تظل نقياً وصالحاً للعطاء، لا تقف في مكانك، بل اجرِ كالنهر.