الرئيسية›عربي و عالمي›بيت زينب خاتون بالقاهرة: كنز من...
عربي و عالمي

بيت زينب خاتون بالقاهرة: كنز من 3611 عملة ذهبية وعمارة تجمع العصرين المملوكي والعثماني

في قلب القاهرة التاريخية، وبالقرب من الجامع الأزهر، يبرز بيت زينب خاتون كواحد من أبرز الشواهد على روعة العمارة المملوكية والعثمانية. هذا البيت العتيق، الذي يقع في أحد أزقة المنطقة، لا يحتفظ فقط بتفاصيل معمارية فريدة، بل يروي أيضاً قصة اكتشاف كنز أثري ضخم يضم 3611 عملة ذهبية تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي.

عدسة الأناضول اقتربت من ملامح هذا البيت الذي يشع جمالاً وهدوءً، حيث تبرز بطاقة تعريفية أعدتها وزارة السياحة والآثار المصرية للزوار، توضح أن البيت يمزج بين خصائص الطرازين المعماري والفني في العصرين المملوكي (1250-1517م) والعثماني (1517-1867م)، ويُعد نموذجاً فريداً للعمارات السكنية في القاهرة.

تاريخ البيت وكنز الذهب

يعود تاريخ إنشاء البيت إلى العصر المملوكي، ثم جدد بناءه الأمير مثقال السودوني الظاهري، ومن بعده السلطان قايتباي. وفي العصر العثماني، سكنته زينب خاتون عام 1780 فعُرف البيت باسمها. كانت زينب خاتون جارية لدى محمد بك المغري، ثم تحررت وتزوجت من الأمير حمزة الخربوطلي وأصبحت أميرة، ولقبت بـ”خاتون” وهي كلمة فارسية تعني “المرأة الشريفة الجليلة”، وفق البطاقة التعريفية.

ويُظهر البيت روائع الفنون الإسلامية في العصرين المملوكي والعثماني، ممثلة في الأعمال الرخامية والجصية المعشقة بالزجاج الملون، والمشربيات، والشبابيك، والأسقف الخشبية المزينة بالزخارف النباتية والهندسية بالتذهيب والتلوين. وقد قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم المنزل في أوائل القرن العشرين، ثم آلت ملكيته إلى وزارة الأوقاف المصرية عام 1942.

وفي عام 1989، قامت هيئة الآثار المصرية بترميم البيت مرة أخرى، وأثناء العمل عُثر على كنز داخل قدرين من الفخار تحت عتبة إحدى الحجرات. بلغ عدد القطع المكتشفة 3611 عملة ذهبية تعود إلى القرن الخامس عشر، من بينها 2000 عملة تم سكها في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال والمجر. وتحفظ هذه العملات حالياً في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وتعرف باسم “كنز زينب خاتون”.

وتشير شركة المقاولون العرب في مصر، عبر موقعها الإلكتروني، إلى أن بيت زينب خاتون كان ضمن مشاريعها المنتهية عام 2024، ومن بين أعمالها تنفيذ قبة بارتفاع حوالي 14 متراً فوق سطح المنزل، يحتوي على ممر بانورامي يطل على القاهرة التاريخية.

تصميم معماري يجمع بين المملوكي والعثماني

أكد كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر على الأهمية الكبرى لبيت زينب خاتون والبيوت الأثرية المجاورة في منطقة الأزهر والجمالية، التي تعكس تطور العمارة المملوكية والعثمانية. وأوضح شاكر، في حديث مع الأناضول، أن البيوت التاريخية في مصر مثل بيت زينب خاتون تتميز بخصائص معمارية فريدة ومتكاملة، تشمل المداخل المنكسرة، والصحون الداخلية (قلب البيت)، والنافورة، والحدائق الصغيرة، وقاعات الحرملك والسلاملك، والمشربيات.

وشدد شاكر على أهمية تسويق الآثار الإسلامية كبيت زينب خاتون بشكل منفصل، والترويج لها كمنتج سياحي مستقل يخاطب الأسواق المستهدفة بدقة، خاصة أسواق جنوب شرق آسيا ودول وسط آسيا. ودعا إلى إقامة فعاليات ثقافية فنية تتناسب مع روح هذه الأماكن، وتشجيع شركات الإنتاج السينمائي والمخرجين المحليين والعالميين على استخدام البيوت الإسلامية التاريخية كمواقع للتصوير الدرامي.

أسرار التخطيط الداخلي والاستدامة

المهندس أشرف رشاد، الباحث في تاريخ وفنون العمارة، نشر دراسة معمارية على موقعه الإلكتروني مطلع العام الجاري تناولت قراءة معمارية لمنزل زينب خاتون. ووفقاً للدراسة، يُعد المنزل واحداً من أبرز نماذج العمارة السكنية التاريخية في القاهرة الإسلامية، ليس فقط لقيمته الأثرية بل لما يحمله من حلول معمارية متقدمة تعكس العلاقة بين الإنسان والمكان والمناخ والمجتمع.

يقع منزل زينب خاتون في قلب القاهرة التاريخية قرب الأزهر الشريف، ضمن نسيج عمراني كثيف يتميز بالأزقة الضيقة والمباني المتلاصقة، مما فرض على المعمار حلولاً ذكية للتعامل مع محدودية الفراغ والضوضاء والحركة. ويعتمد التخطيط الداخلي على فكرة البيت المنطوي حول فناء داخلي (صحن البيت)، الذي يمثل القلب الاجتماعي والبيئي للمنزل.

من أبرز أسرار المنزل تصميم المدخل وفق نظام المدخل المنكسر، الذي يحجب رؤية من في البيت عن الشخص الداخل، مما يعكس فلسفة العمارة الإسلامية في حماية الخصوصية. وينفتح المنزل بعد المدخل على فناء داخلي واسع تحيط به أركان البيت الأربعة، ليحقق الخصوصية البصرية التامة ويسمح بتوزيع الإضاءة والتهوية الطبيعية إلى جميع الحجرات.

وتشرف على الفناء المشربيات المصنوعة من خشب الخرط الجميل. ويتشابه تخطيط المسقط الأفقي للدورين الأول والثاني مع بيوت تاريخية أخرى في القاهرة مثل بيت الهراوي (1486م) وبيت السحيمي (1648م)، مما يؤكد أن الصحن كان عنصراً معمارياً أساسياً في العصرين المملوكي والعثماني.

ويجسد التسلسل الهرمي للفراغات أحد أسرار المنزل، حيث تنتقل الحركة من العام إلى الخاص بمرونة، مع الفصل الدقيق بين السلاملك (لاستقبال الضيوف) والحرملك (لحياة الأسرة). كما يتعامل المنزل بذكاء مع المناخ الحار للقاهرة من خلال المشربيات التي تسمح بمرور الهواء وتكسر حدة الشمس، والأسقف المرتفعة التي تجمع الهواء الساخن بعيداً عن مستوى الاستخدام، وتوجيه الفتحات للتهوية المتقاطعة، واستخدام المواد المحلية كالحجر والخشب.

وتخلص الدراسة إلى أن منزل زينب خاتون يُظهر أن العمارة الإسلامية السكنية لم تكن مجرد استجابة وظيفية، بل نتاج رؤية شمولية جمعت بين المناخ والثقافة والاجتماع والجمال، وأنه شاهد حي على قدرة العمارة التقليدية على تقديم حلول معمارية إنسانية ومستدامة.