أحمد حلاق.. حرفي زجاج دمشقي يقاوم الآلة بأفران عمرها 150 عامًا

في أزقة دمشق القديمة، يواصل الحرفي السوري أحمد حلاق نفخ الزجاج وتشكيله بيديه داخل أفران عتيقة، محافظًا على مهنة تلقّاها عن أبيه، ويسعى إلى ألا تنطفئ في زمن تتقدّم فيه الصناعة الآلية على المنتجات اليدوية.
وتدير أسرته ورشة في حي باب شرقي منذ عام 1969، يخرج منها أواني المنزل والثريات والتحف الزجاجية بأساليب تقليدية داخل أفران يتجاوز عمرها 150 عامًا.
وكانت الورشة تحتضن زهاء 15 حرفيًا في السابق، أما اليوم فيقف حلاق، وهو أكبر أشقائه، وحيدًا إلى جانب الأفران، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: صون هذه الحرفة ونقل خبرتها إلى الأجيال المقبلة.
ويقول حلاق في حديثه لوكالة الأناضول إن صناعة الزجاج ليست مجرد مهنة في نظر أسرته، بل إرث ثقافي تناقلته الأجيال حتى أصبح جزءًا من هويتنا.
ويذكر أنه تعلّم نفخ الزجاج على يد والده في سن مبكرة، وأنه حريص على الإبقاء على طرق الإنتاج التقليدية بما يضمن استمرار حرفة ارتبطت بتاريخ عائلته.
الآلة تضيّق الخناق على الورش التقليدية
ومنذ نحو 40 إلى 50 عامًا، بدأت سوق المنتجات الزجاجية المصنوعة يدويًا تنحسر مع تزايد الواردات وانتشار الإنتاج الآلي، وهو ما جعل بقاء الورش التقليدية أمرًا عسيرًا.
ويوضح حلاق أن والده حسم قراره في سبعينيات القرن الماضي بمواصلة هذه المهنة، معتبرًا إياها إرثًا ثقافيًا جديرًا بالحفاظ عليه. وتعمل الورشة، كما يقول، منذ عام 1969، بينما يعود تاريخ المبنى إلى نحو 150 أو 160 عامًا.
ولا يقتصر التحدي على تراجع الطلب؛ فصناعة الزجاج تحتاج درجات حرارة مرتفعة وساعات عمل طويلة. ويشير حلاق إلى أن أفران الورشة كانت في الماضي تعمل على مدار الساعة وطوال أيام السنة، ولا تتوقف إلا عند الحاجة إلى صيانتها أو خلال عيدي الفطر والأضحى.
أما اليوم، فقد دفعت كلفة الوقود المرتفعة الأسرة إلى إشعال الفرن صباحًا وإطفائه مساءً، مع أن تكرار التشغيل والإيقاف يُلحق به أضرارًا ويقصّر عمره التشغيلي.
ويقول إن تسخين الفرن الصغير يستغرق من أربع إلى خمس ساعات قبل بدء العمل، حتى يبلغ الزجاج درجة تسمح بتليينه وإعادة تشكيله، ويضيف: “إطفاء الفرن ثم إشعاله من جديد يضر به ويقلل من عمره، كما أن تكاليف المازوت تشكل مشكلة كبيرة بالنسبة إلينا”.
وتدفع الحرارة المرتفعة وطول ساعات العمل وصعوبة الحصول على إجازات الشباب إلى الابتعاد عن هذه المهنة، بحسب حلاق الذي يحذّر من أن عدم إعداد حرفيين جدد يهدد مستقبل صناعة الزجاج التقليدية.
من الزجاج المكسور إلى قطع فنية
وتعتمد الورشة على الزجاج المكسور مادةً خامًا، إذ يتيح الفرن الموجود فيها إعادة تدويره وتشكيله وفق الأساليب التقليدية.
ويشرح حلاق أن الفرن يتألف من ثلاثة أقسام: الصهر والتشكيل والتبريد؛ فدرجة الحرارة في قسم الصهر تبلغ نحو 1200 درجة مئوية، فيما تتراوح في مرحلة التشكيل بين 950 و1000 درجة.
وفي هذه المرحلة لا يكون الزجاج سائلًا بالكامل، بل يصبح في قوام يشبه العجين، ما يمكّن الحرفي من التقاطه وتشكيله بالشكل المطلوب، وفق حلاق.
وبعد انتهاء التشكيل تُنقل القطع إلى قسم التبريد لتخفيض حرارتها تدريجيًا ومنع تشققها؛ وتبدأ هذه المرحلة عند نحو 500 درجة مئوية، ثم تنخفض الحرارة بمعدل يقارب 100 درجة كل ساعة، وتستغرق العملية ما بين خمس وسبع ساعات.
الجودة قبل كثرة الإنتاج
وتنتج الورشة أباريق الزيت وأكواب الماء والمزهريات وغيرها من الأدوات المنزلية والقطع الزجاجية الزخرفية.
ويقول حلاق إن الأسرة كانت تصنع في الماضي قطعًا أكبر حجمًا، لكنها باتت تركز على المنتجات الأصغر بعد تصغير حجم الفرن.
ولا يقيس الحرفي نجاح عمله بعدد القطع التي ينجزها، بل بجودة كل قطعة ومدى رضاه عن تفاصيلها، لذلك يفحص منتجاته بعناية ولا يحتفظ إلا بما يراه مطابقًا للنتيجة التي يريدها.
ويضيف: “عندما أنتهي من صنع قطعة، أتفحصها. إذا كانت كما أريد، أحتفظ بها، أما القطعة التي لا تعجبني فأستبعدها منذ البداية”.
ويرى أن تشكيل الزجاج فن يتطلب دقة وصبرًا، على غرار تعامل النحات مع تفاصيل منحوتته، من أجل الحفاظ على هذا الفن التقليدي وإبقائه حيًا.










