«مدينة الإبل»: مشروع استثماري ضخم يدمج الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا في قطاع الثروة الحيوانية بالمملكة

يتحول قطاع الإبل في المملكة العربية السعودية من كونه مجرد رمز تراثي إلى محور اقتصادي استثماري يعتمد على الابتكارات الحديثة، حيث يدمج الآن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا في عملياته. عقب تأسيس نادي الإبل وتطبيق أنظمة تنظيمية جديدة، دخل المجال مرحلة حديثة من الحوكمة تتماشى مع أهداف رؤية 2030 الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستثمارات في القطاعات الناشئة.
مدينة الإبل كمبادرة استراتيجية
في إطار هذه الرؤية، تم إطلاق مشروع «مدينة الإبل» في قرية العليا بالمنطقة الشرقية، لتصبح أحد أبرز الاستثمارات التي تديرها وزارة البيئة والمياه والزراعة وشركاؤها. يشارك في هذا المشروع شركة «موروث» المتخصصة في بناء قواعد البيانات الجيومكانية، ما يمنح المبادرة طابعاً استراتيجياً يتجاوز حدود الثروة الحيوانية التقليدية.
تمتد المدينة على مساحة تقارب عشرين مليون متر مربع، وتستوعب نحو مئة وخمسين ألف رأس من الإبل، لتشكل نموذجاً لمدينة ذكية تستغل أحدث ما توصلت إليه التقنية في إدارة وتطوير هذا القطاع الحيوي. يقدر إجمالي الاستثمارات التي تدخل في إنجاز المشروع بأكثر من أحد عشر مليار ريال، ما يعكس حجم الطموح لبناء منظومة اقتصادية شاملة تشمل الإنتاج، التصنيع، البحث العلمي، الخدمات اللوجستية، السياحة، والحلول الرقمية.
تقنيات متقدمة لتعزيز الكفاءة والحوكمة
يعتمد المشروع على بنية تقنية متطورة تشمل نظام التوأم الرقمي (Digital Twin) وتطبيقات التعرف بتقنية RFID، لتمكين متابعة الحالة الصحية والإنتاجية للإبل في الوقت الفعلي. هذه الأدوات تسهم في رفع كفاءة العمليات، تعزيز الأمن الغذائي، وضمان مستويات عالية من الجودة والتتبع والحوكمة، فضلاً عن توفير قاعدة بيانات دقيقة تدعم اتخاذ القرارات المستقبلية.
منصة «ترياق» والابتكار في التكنولوجيا الحيوية
من أبرز مكونات المشروع منصة «ترياق» المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية، والتي توظف الذكاء الاصطناعي لتحليل الجينوم الإبل واستخراج الجسيمات النانوية لاستخدامها في تطبيقات دوائية وحيوية واعدة. تستغل المنصة الخصائص البيولوجية الفريدة للإبل لتطوير حلول علمية مستقبلية تدعم البحث والتطوير ونقل المعرفة.
حوكمة رقمية وسوق إبل موثوق
يقدم المشروع أيضاً نموذجاً رائدًا في الحوكمة الرقمية عبر جواز إلكتروني للإبل يعتمد تقنية البلوك تشين (Blockchain)، لتوثيق السجلات الجينية والصحية وبيانات الملكية لكل رأس. يهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الشفافية، رفع موثوقية تداول الأصول، وإتاحة فرص استثمارية مبتكرة تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية لسوق الإبل.
تستضيف المدينة مجموعة من المصانع المتخصصة في إنتاج الحليب، اللحوم، الجلود، والوبر، إلى جانب أكبر مستشفى متخصص في رعاية الإبل، ومرافق لإنتاج الأمصال واللقاحات، ومصنع أعلاف، ومراكز أبحاث، وبنك وراثي يهدف إلى تحسين السلالات. كما تشمل المرافق متحفاً وطنياً للإبل ومجموعة من المرافق الثقافية والسياحية وأكاديمية عالمية مخصصة لعلوم الإبل.
تُعَدّ «مدينة الإبل» نموذجاً وطنياً رائدًا للاستثمار في الاقتصاد الحيوي، وتُظهر قدرة المملكة على قيادة هذا القطاع على الصعيدين الإقليمي والعالمي. إذا ما نُفِّذت أهداف المشروع وفق أعلى المعايير العلمية والتقنية، فإن أثره سيتجاوز مجرد تنمية قطاع الإبل، ليُسهم في دعم الأمن الغذائي، تعزيز الابتكار، تنويع مصادر الدخل، توطين الصناعات الحيوية، وجذب الاستثمارات النوعية، مما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للبيوتكنولوجيا والابتكار.



